إعلانات
تحقيقات وتقارير

الكراكيب

إعلانات

الكراكيب
دكتورحسين علي
أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس

تتراكم «الكراكيب» داخل بيوتنا، وتكثر أو تنقص وفقًا لعادات أهل هذا البيت أو ذاك وتقاليدهم ومزاجهم وثقافتهم ومستواهم الاقتصادي، لكن لا يخلو منها بيت من البيوت، و«الكراكيب» هى أشياء غير مستخدمة، ومع ذلك نحرص بشدة على الاحتفاظ بها: كرسي مكسور، تليفزيون عطلان، أباجورة قديمة، أو فازة مكسورة أو موبيلات عتيقة تجاوزها الزمن، ومع ذلك تزدحم بها الدواليب والأدراج، شاشة كمبيوتر أو لوحة مفاتيح أو سماعات لا لزوم لها، برطمانات فارغة (وما أدراك ما البرطمانات!!) تحرص بعض ربات البيوت على الاحتفاظ بها وتخزينها على أمل استخدامها يومًا فيما ينفع ويفيد. ملابس قديمة أو حتى جديدة نحتفظ بها رغم أننا لا نرتديها ولا نفكر في ارتدائها يومًا، ومع ذلك لا نفرِّط فيها!! لماذا نحتفظ بها إذن؟ أسباب كثيرة ومتنوعة تدفعنا للاحتفاظ بها؛ قد تكون هذه الملابس هي ملابس أبنائنا حين كانوا أطفالاً، ونرغب في الاحتفاظ بملابسهم كي نعايش ذكريات سعيدة عشناها معهم.
إن الحرص على الاحتفاظ بما لا لزوم له من الأشياء هو سلوك خاطئ ناجم عن ثقافة عقيمة، وعادات سيئة. فالحس السليم يقول إنَّ الأشياء التي أنت في غير حاجة لها (الكراكيب)، قد يحتاجها غيرك بشدة. ومن ثمَّ عليك أن تهبها لمن هو أحوج منك بها؛ بل إنَّ الكرم الحقيقي – الذي لا يقدر على القيام به سوى قلة قليلة ونادرة من البشر – ليس فقط أن تهب غيرك ما يزيد عن حاجتك؛ بل تهب غيرك ما أنت في أمسِّ الحاجة إليه. إنَّ ازدحام المكان بالكراكيب يُسْهِمُ في تشويه المكان، وإعاقة حركة المرء داخل المنزل، كما أن وجود الكراكيب يبعث طاقة سلبية، فضلاً عن أنها تشكل مرتعًا للحشرات، ومكانًا لتجمع الأتربة والغبار.
وقد ذكرت دراسة أجريت خلال الفترة من ديسمبر 2012 إلى فبراير 2013 أنَّ الأشياء غير المستخدمة في البيوت المصرية تبلغ قيمتها أكثر من ملياري جنيه (2.2 مليار جنيه). وأن القاهرة وحدها بها أكثر من تسعة ملايين جهاز محمول تبلغ قيمتها أكثر من ستة مليار جنيه. هذا عن قيمة الكراكيب المستخدمة من قِبَل الأفراد، أما «الكراكيب الحكومية» فقد بلغت قيمتها في الفترة التي أشارت إليها الدراسة المذكورة 20 مليار جنيه، لو تمَّ استخدامها على نحو جيد، فسوف يوفر ذلك دخلاً سنويًا للدولة يبلغ 500 مليون جنيه، ولكن للأسف وبسبب التلاعب والسرقات يتقلص العائد السنوي منها إلى 155 مليون جنيه فقط، لأن كل مسئول حين يتولى منصبًا تنتابه رغبة جامحة في تجديد مكتبه الحكومي وتأسيسه، فيتم الاستغناء عن الأثاثات والتكييفات والمناضد والمقاعد والسجاجيد والأرضيات، واستبدال غيرها بها، وتتحول – بين ليلة وضحاها – الأثاثات القديمة التي كانت تعمل بكفاءة عالية إلى «كراكيب» تزدحم بها المخازن!!
الكرسي المكسور والتليفزيون العطلان، والموبيلات القديمة … إلخ، كلها «كراكيب مادية»، لكن يوجد نوع آخر من الكراكيب هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم «الكراكيب المعنوية» وهى التي يهمنا هنا الحديث عنها. فإذا كانت تضطرب البيوت وتزدحم بالكراكيب المادية، فإننا بوصفنا بشرًا نضطرب أيضًا ونشقى بسبب «الكراكيب المعنوية» التي تحتل رؤوسنا وتشغل عقولنا، وتصيب العقل والنفس بالاضطراب. فالذكريات المؤلمة كراكيب، والأفكار العقيمة كراكيب، والعلاقات العاطفية الفاشلة كراكيب، ووجود شخص في حياتك مقرف ومزعج ومازالت علاقتك به قائمة ومستمرة كراكيب.
التخلص من الكراكيب المادية قد يكون أمرًا سهلاً. فإذا نصحك صديقك بأنه لا لزوم للاحتفاظ بالملابس القديمة، مادمت لن ترتديها يومًا، فإن الأفضل التخلص منها بمنحها لجمعية خيرية أو لأشخاص هم أحوج إليها منك. قد تقتنع بالفكرة وتتخلص من الكراكيب المادية. أما إذا جاءك أحد أصدقائك المخلصين، ورأى ما أنت فيه من شقاء وعذاب، ورأي ضرورة انفصالك أو انفصالكِ عن هذا الزوج (أو الزوجة) المزعج والمقرف، حتى تستقيم حياتك، وتعيش حياة هادئة مطمئنة وسعيدة، فإنك سوف تفزع وتصاب بالهلع من هذه الفكرة، وستقدم مبررات كثيرة لرفضها.
تزدحم رأس الإنسان بكثير من الأوهام الزائفة، والأفكار الخاطئة، والاعتقادات الباطلة، حتى إنَّ المرء قد يقضى عمره أسير هذه الأوهام، ويسلك وفقًا لها سبلًا شتى، ويتخذ مواقف حازمة وصارمة استنادًا إليها. وإذا حاولنا أن نعدد هذه الأوهام ونحصرها، فسنجدها تفوق الحصر. تأتينا أغلب هذه الأوهام من ثلاث مناطق: الدين والسياسة والجنس، وهى مناطق بالغة الأهمية والحساسية لدى كل إنسان، فهى متشابكة ومتداخلة، وهى دومًا موضع تحريم وجدل ولغط.
علينا أن نفحص أفكارنا ومعتقداتنا التى تحتل رؤوسنا وتضلل عقولنا، كى نفهم مصدرها، من أين جاءت؟ وكيف تكونت؟ وعلينا أن نفرز الصائب من الباطل منها، ونميَّز بين الجيد والرديء. فإذا كانت الفكرة جيدة نُبْقِيها، أما إذا كانت رديئة فنطرحها جانبًا. إن كثيرًا من الأفكار التي تزدحم بها عقولنا هى أفكار عقيمة، وأقرب ما تكون إلى الكراكيب التي تحول بيننا وبين الرؤية الصحيحة للأشياء والأشخاص والوقائع. إنها تقف عقبة في طريقنا نحو حياة سعيدة ومستقرة.
يحدث أحيانًا أن تسيطر ذكرى تجربة مريرة على حياة المرء، كأن يكون قد صادف يومًا شخصًا كريهًا – مدرسًا بالمدرسة أو أستاذًا بالجامعة، أو رئيسًا في العمل, أو زميلاً أو صديقًا، أو زوج أو زوجة – تعامل معه على نحو فيه استهانة وإهانة أوغدر وخيانة، مما ترك جرحًا غائرًا وداميًا في بنائه النفسي، واضطرابًا في طريقة تفكيره، وأفقده ثقته بنفسه. تدخل ذكرى تلك التجربة المريرة التي مر بها ذلك الإنسان ضمن «الكراكيب المعنوية» التي يتحتم التخلص منها. وإذا كانت الكراكيب المادية تمثل ضررًا، فإن ضرر الكراكيب المعنوية أشد وأخطر.
يغفل كثير من الناس تأثير الكراكيب السيء عليهم، ويظن المرء أنه قد تتاح له يومًا فرصة الإفادة من تلك الكراكيب، واستغلالها فيما ينفع بطريقة أو أخرى، لكن ما أن يبدأ في التخلص منها حتى يكتشف أن حياته باتت أفضل بدونها، وأن انتعاشًا رائعًا يغمره.
سارع بالتخلص من كراكيبك المادية والمعنوية .. كي تنتعش حياتك وتزدهر.

إعلانات
اظهر المزيد
إعلانات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إعلانات
زر الذهاب إلى الأعلى