الأخبار

ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة

ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة

 

بواسطة/ محمد علي

ألقى السفير د. قائد مصطفى، الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، كلمة نيابة عن الأمين العام لجامعة الدول العربية في الفعالية الخاصة بإحياء ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

وقد استهل كلمته بقول الله تعالى: ولا تحسبن الله غافلاً عما يفعل الظالمون، إنما يؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار. (صدق الله العظيم).

رحب خلال الكلمة بالسادة رؤساء وممثلو وفود الدول الأعضاء، وسفراء وممثلو الدول المتضامنة مع شعب فلسطين والمؤمنة بقضيته العادلة، قال فيها:

يسعدني بداية أن أنقل اليكم تحيات وتقدير معالي الأمين العام السيد نبيل فهمي، حيث نجتمع اليوم، في رحاب جامعة الدول العربية، لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولا يزال، تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري في دورته السادسة والستين بعد المائة، ونقف أمام مأساةٍ تجاوزت حدود الاحتمال الإنساني، وخلّفت من الألم والدمار ما سيظل محفوراً في ذاكرة فلسطين والمنطقة والعالم.

إن يوم السابع عشر من أكتوبر، بما يحمله من رمزيةٍ مؤلمة في سجل هذه الحرب، يمثل مناسبةً نستحضر فيها آلاف الأرواح التي أُزهقت، ومئات الآلاف من المصابين والمكلومين، وعائلاتٍ فقدت أبناءها، وأطفالاً حُرموا من طفولتهم، ومدناً باتت تبحث بين الأنقاض عن ملامح الحياة التي كانت.

نحيي هذه الذكرى وفاءً للشهداء، وتضامناً مع الناجين، وتأكيداً لمسؤوليتنا في صون الحقيقة، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، والعمل من أجل العدالة، وإنهاء المأساة التي ما زالت فصولها تلقي بظلالها الثقيلة على أهلنا في غزة.

ووفقاً لأحدث الإحصاءات الطبية الفلسطينية، تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة أربعةً وسبعين ألفاً، بينهم أكثر من واحدٍ وعشرين ألف طفل، فيما تجاوز عدد النساء اللواتي استشهدن أو أُصبن ما يزيد عن خمسةً وثلاثين ألفاً، كل ذلك منذ أكتوبر 2023 فقط.

وقال حين يُحرم السكان من المياه والغذاء والدواء، وتتقلص المساحات الآمنة، وتتعذر إعادة بناء البيوت، وتتواصل القيود التي تعيق وصول المساعدات ومواد الإعمار، فإن الضغط على الإنسان يتجاوز حدود الاحتمال، وتصبح خيارات البقاء أكثر قسوةً وضيقاً.

وأكد إننا نحذر من أن تتحول هذه الظروف إلى أداةٍ لدفع السكان إلى مغادرة أرضهم تحت وطأة الحاجة والخوف وانعدام مقومات الحياة. فالتهجير قد يُمارَس بالقوة المباشرة، وقد تصنعه أيضاً ظروفٌ قسرية تجعل البقاء بالغ الصعوبة. وفي الحالتين، تظل حماية السكان من النقل القسري واجباً قانونياً، وتظل حماية حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وصون ارتباطهم بوطنهم مسؤوليةً لا تحتمل التأجيل.

إن الجوع ليس وسيلةً مشروعةً لإخضاع الشعوب، والماء ليس ورقةً للمساومة، والدواء ليس امتيازاً يُمنح أو يُحجب وفق الحسابات السياسية، والمأوى ليس ترفاً في حياة من فقدوا بيوتهم. إنها حقوقٌ أساسية، ومسؤولياتٌ قانونية وإنسانية يتعين احترامها وضمانها.

ومن هنا، فإننا نطالب بضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتأمين الإمدادات الطبية والغذائية والوقود، وإعادة تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام، واستعادة الخدمات البلدية والصحية والتعليمية، وتوفير المأوى الملائم للنازحين، وتهيئة الظروف التي تتيح للسكان العيش بكرامة وأمان.

فلا معنى للحديث عن التعافي بينما يفتقد الإنسان مقومات الحياة، ولا جدوى من خطط الإعمار إذا ظل السكان محاصرين في دائرة الخوف والحاجة والنزوح.

وأشار إلى أن ثمة حقيقةٌ أخرى ينبغي أن تكون في صدارة اهتمامنا: فبينما يُطرح السلام بوصفه أفقاً لإنهاء الحرب، ما زالت القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجود عسكري يسيطر على مساحات واسعة من قطاع غزة.

إن اتساع نطاق السيطرة العسكرية يضيّق الحيز المتاح للمدنيين، ويزيد من تركز السكان في مساحات محدودة، تحيط بها المخاطر والقيود.

إن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي واتساع نطاق السيطرة على الأرض يثيران تساؤلاتٍ جدية بشأن مدى الالتزام باستحقاقات وقف إطلاق النار، وبشأن الشروط اللازمة لانتقال غزة من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام والتعافي.

وأكد أن وقف إطلاق النار كان ينبغي أن يكون مدخلاً لإنهاء الحرب، واستعادة الحياة، وتثبيت الأمن للمدنيين، وتهيئة الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها.

أما أن تستمر الهجمات، وتتواصل القيود، وتتقلص المساحات المتاحة للسكان، فإن ذلك يبقي المجتمع رهينةً للخطر، ويجعل السلام اسماً لمرحلةٍ لم تستكمل شروطها على الأرض.

وأكد إن الأمن الحقيقي لا يُبنى بتكريس الخوف في نفوس المدنيين، ولا بإبقاء السكان تحت وطأة السيطرة والتهديد، بل بإزالة أسباب الصراع، واحترام القانون، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم على أرضهم، في إطارٍ وطني فلسطيني موحد.

لقد طُرحت خططٌ ومبادراتٌ لإنهاء الحرب في غزة، وجرى الحديث عن ترتيباتٍ انتقالية، ومجلس السلام، وآلياتٍ دولية للإشراف على المرحلة المقبلة، وعن خططٍ لإعادة الإعمار وتوفير التمويل اللازم لاستعادة الحياة.

وأشار إلى أن جامعة الدول العربية رحبت بكل جهدٍ جاد، يضع حداً لمعاناة المدنيين، ويقود إلى سلامٍ عادل ودائم. غير أن جدية أي خطة لا تُقاس بجمال صياغتها، ولا بعدد الاجتماعات التي تُعقد بشأنها، ولا بما تتضمنه من وعودٍ مستقبلية؛ بل تُقاس بما تحدثه من تغييرٍ ملموس في حياة الناس، وبما تنجح في تحقيقه من وقفٍ للقتل، وتوفيرٍ للأمن، وإدخالٍ للمساعدات، وانسحابٍ للقوات، واستعادةٍ للحقوق.

إن العالم يتحدث عن السلام، بينما ما زال أهل غزة ينتظرون نتائج هذا السلام في حياتهم اليومية.

يتحدثون عن الإعمار، فيما تنتظر الأسر مأوىً يحميها.

ويتحدثون عن التعافي، بينما تحتاج المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والطرق إلى إعادة بناءٍ عاجلة.

ويتحدثون عن ترتيبات المستقبل، فيما يظل حاضر السكان مثقلاً بالخوف والحرمان وانعدام اليقين.

وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي والجهات المعنية بتنفيذ الخطط المطروحة؛ مسؤوليةٌ تقتضي الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، ومن الإعلان عن المبادرات إلى تنفيذ الالتزامات، ومن رسم الخرائط والخطط إلى استعادة الحياة على الأرض.

وأضاف إننا نتطلع إلى أن يسهم مجلس الأمن الدولي والقائمون على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية لتحويل التعهدات إلى نتائج عملية، وأن يضع حماية المدنيين وتلبية الاحتياجات الإنسانية في مقدمة أولوياته، وأن يعمل على تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، وفتح المجال أمام السلطة الوطنية الفلسطينية لتأخذ دورها في قطاع غزة، وتوفير الشروط السياسية والأمنية والمالية اللازمة لإعادة الإعمار.

كما نؤكد أن إعادة بناء قطاع غزة ينبغي أن تكون عمليةً فلسطينية القيادة، عربيةً ودولية الدعم، تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان، وتحفظ حقوقهم في الأرض والممتلكات، وتضمن مشاركتهم في تحديد مستقبلهم، وتربط الإعمار بمسارٍ سياسي واضح ينتهي بإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الفلسطيني.

إن المجتمع الدولي مطالبٌ اليوم بأن يثبت جديته بالفعل، لا بالتصريحات وحدها؛ بل بحشد الموارد، وازالة العقبات، وإلزام الأطراف بتنفيذ تعهداتها، وضمان ألا تبقى غزة معلقةً بين وقف إطلاق نارٍ هش، وخطط سلامٍ غير مكتملة، ووعود إعمارٍ تنتظر طريقها إلى التنفيذ.

وأضاف: يعلمنا التاريخ، وهو خير معلم، أن سياسات الحروب والاحتلال والاستيطان والجدران،
قد توفر هدوءً مؤقتا، وسيطرة عابرة… ولكنها وبالتأكيد لا تحقق أمنا حقيقيا ولا تؤمن سلاماً مستداماً، وقد تصطنع واقعاً ما على الأرض… ولكنها وبالقطع لا تنشئ حقاً ولا تكتسب شرعية،
وقد تفرض استقراراً هشاً… ولكنها لن تنجح في منع انفجار محتوم، لأنها في واقع الأمر تمد الوضع الملتهب بوقود إضافي للتفجر، وهي قبل كل شيء وبعد كل شيء عاجزة عن إخماد توق شعب إلى الحرية أو استئصال ذاكرته الحية أو اغتيال روايته.

لذا، فالمطلوب إسرائيلياً.. هو الإنصات إلى دروس التاريخ، ومغادرة عقلية القوة والاحتلال، والعبور إلى الفضاء الرحب للاعتراف بحقوق الآخرين والتعامل الندي المتكافئ لصنع السلام،

والمطلوب إسرائيلياً أيضاً … هو التوقف عن الاتكاء على ذرائع وهواجس أمنية مضخمة بهدف تكريس الاحتلال، أو استحداث مطالب تقود إلى دفع الصراع من أرضية محدداته وطبيعته السياسية، إلى هاوية النزاع الديني في منطقة هي أصلا مثقلة بالحساسيات.

وقال خلال كلمته إن أي مسارٍ للسلام ينبغي أن يقود إلى أفقٍ سياسي واضح، ينهي الاحتلال، ويحفظ وحدة الأرض الفلسطينية، ويضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويُفضي إلى إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

مؤكداً أن جامعة الدول العربية ستواصل بالتعاون مع الدول الأعضاء وشركائها، العمل من أجل وقف معاناة الشعب الفلسطيني، وحشد الدعم الإنساني والسياسي والقانوني، والدفع نحو تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وضمان أن يكون قطاع غزة جزءاً أصيلاً من الدولة الفلسطينية المستقلة.

فلنجعل من هذه الذكرى عهداً متجدداً بأن لا ينسى ضحايا الإبادة الجماعية، وألا يُنسى قطاع غزة، وألا يُترك أهله وحدهم في مواجهة آثار الحرب، وألا تتحول معاناتهم إلى هامشٍ في حسابات السياسة الدولية.

فقطاع غزة يستحق أن تعود إليه الحياة، وأن تستعيد مدنه ملامحها، وأن ينهض أطفاله من تحت ظلال الخوف إلى آفاق الأمل، وأن يجد أهله في الغد بيتاً آمناً، وعملاً كريماً، ومدرسةً مفتوحة، ومستشفىً قادراً على العلاج، ومستقبلاً يليق بإنسانيتهم.

وفي ختام كلمته قال: نوجه باسمكم جميعا تحية للشعب الصابر المناضل في فلسطين، في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وفي الداخل وفي مخيمات اللجوء والشتات، على مواقفهم البطولية وتضحياتهم الجسيمة من أجل الدفاع عن حقوقهم الثابتة في وطنهم؛ حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة، والقدس الشريف عاصمة أبدية لها، ولن يسيروا في هذا الطريق وحدهم.

فالتحية لكل الاشقاء والأصدقاء وعشاق الحرية في هذا العالم، الذين يقفون إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم، في مسيرته الملحمية للخلاص من الاحتلال، كي يعيش بعد عقود طويلة من التهجير والقهر والعذابات المستمرة، كبقية شعوب الأرض حراً، فوق أرض وطن سيد مستقل،

وألف تحيه لكل أولئك الذين يفتحون الأبواب لكي تعبر الدولة الفلسطينية المستقلة إلى ميلادها الجديد، القادم حتماً.

رحم الله شهداء فلسطين، وشفى الجرحى، وفرَّج كرب الأسرى، وحفظ أهلنا في قطاع غزة وسائر الأرض الفلسطينية المحتلة.

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى