مقالات

صرخة الأرض العطشى: هل ننتظر حتى يجفّ آخر شريان في منطقتنا؟

صرخة الأرض العطشى: هل ننتظر حتى يجفّ آخر شريان في منطقتنا؟

بقلم: د. وسيم مردم بك

​تقف المنطقة اليوم أمام حقيقة مرعبة لا تقبل التأويل؛ فنحن لا نتحدث عن أزمة عابرة أو صيف جاف سيطول قليلاً، بل نحن بصدد مواجهة “شبح العطش” الذي بدأ يطرق أبوابنا بقوة. حين تسير في القرى التي كانت يوماً تضجّ بخرير الجداول، وتراها اليوم أراضٍ متشققة كجلدٍ عجوز، تدرك أن المعادلة اختلفت. نحن نعيش في واحدة من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه، حيث يتسارع التغير المناخي مع الانفجار السكاني ليخلقا فجوة لم نعد نملك ترف تجاهلها. تدارك هذه الأزمة يبدأ من الاعتراف بأن حلول الماضي التقليدية، مثل حفر المزيد من الآبار العشوائية، لم تعد سوى مسكنات تزيد من عمق الجرح، وأن الحل الحقيقي يكمن في “ثورة مائية” شاملة تعتمد على تحلية مياه البحر بتقنيات مستدامة، ومعالجة مياه الصرف لتصبح مورداً لا عبئاً، وإعادة النظر جذرياً في قطاع الزراعة الذي يستهلك نصيب الأسد من مياهنا.

​لكن، وقبل أن نلقي بالمسؤولية كاملة على عاتق الحكومات والسياسات الكبرى، علينا أن ننظر إلى مرآة واقعنا اليومي. دورك أنت، كفرد، ليس مجرد “توفير بضع لترات”، بل هو تغيير ثقافة كاملة. إن الاستهتار بقطرة الماء في منازلنا هو مشاركة صامتة في تجفيف أنهارنا. تبدأ المهمة من تعديل سلوكيات بسيطة في الاستهلاك، والتبليغ عن تسريبات الشوارع، وصولاً إلى زرع وعي حقيقي في نفوس الأبناء بأن الماء ليس حقاً مكتسباً للأبد، بل هو أمانة هشة قد تضيع. نحن بحاجة إلى تحويل “ترشيد الاستهلاك” من شعار مدرسي ممل إلى أسلوب حياة وواجب وطني وأخلاقي لا يقل أهمية عن الدفاع عن الحدود.

​وهنا يبرز التساؤل المثير: هل يمكن للتكنولوجيا، وتحديداً الذكاء الاصطناعي، أن يكون طوق النجاة؟ الإجابة هي نعم وبقوة. نحن لا نتحدث عن خيال علمي، بل عن خوارزميات قادرة اليوم على التنبؤ بمواقع التسريب في الشبكات الضخمة قبل وقوعها، وتحليل بيانات الطقس بدقة متناهية لتوجيه المزارعين إلى الريّ الذكي الذي يعطي النبتة حاجتها بالقطرة دون هدر. الذكاء الاصطناعي يمكنه إدارة محطات التحلية بكفاءة طاقة أعلى، وتصميم مدن ذكية تعيد تدوير كل قطرة مطر تسقط على أرصفتها. إننا أمام فرصة تاريخية لدمج العقل البشري بالآلة لنحتوي الأزمة قبل الانفجار، فالمعركة القادمة ليست معركة سلاح، بل هي معركة وجود تبدأ بقطرة ماء وتنتهي بها.

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد
صورة nahr1 Alamal

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى