الموقف الإسلامي من الذكاء الاصطناعي بقلم: د.وسام مجدى جاد
الموقف الإسلامي من الذكاء الاصطناعي

بقلم: د.وسام مجدى جاد
عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
يرتكز موقف الإسلام من الذكاء الاصطناعي على مبدأ عام “كل مالم يثبت تحريمه جائز”، وهذا ما يتعلق بدليل قاطع. ولا يوجد دليل يشير إلى أن التعاليم الإسلامية تحظر الذكاء الاصطناعي أو تنهي عنه بشكل قاطع، بل أن القرآن الكريم يشجع الناس على استخدام الموارد المتاحة لهم لتحقيق منافعهم، قال تعالي: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}سورة الجاثية:13 .
وفي مواضع أخرى من القرآن الكريم وصف الأشياء والاختراعات النافعة كالسفن والدروع بأنها من نعم الله وآياته. وبالمثل يمكن اعتبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي وغيرها نتاجات العقل البشري من نعم الله التي تسخر لنا جوانب من الحياة.
ضوابط الاستخدام (القاعدة الشرعية)
تتحدد مشروعية الذكاء الاصطناعي بناءً على الغاية منه، فالوسائل تأخذ حكم المقاصد:
في حالة الإباحة: في المجالات النافعة، كتحسين الرعاية الصحية، إدارة البيانات، تسهيل الأبحاث العلمية، وغير ذلك من الأمور النافعة.
في حالة التحريم: يحرم الاستخدام إذا وُظِّف فيما يغضب الله تعالى كـ انتهاك الخصوصية، والترويج للمحرمات، أو تضليل البشر، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}] سورة المائدة: 2
الأمانة العلمية: المؤمن مطالب بالتحقق من صحة البيانات وتجنب نشر المعلومات المضللة (الأخبار الكاذبة)، لقوله تعالى}: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] {سورة الحجرات: 6. [
سد الذرائع: يُمنع استخدام التقنية إذا أدت إلى مفاسد محققة كالابتزاز أو التزوير المعمق (Deepfake)، لقوله تعالى}: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ] {سورة الأنعام:151
المسؤولية الشخصية: يرسخ المنظور الإسلامي مبدأ المحاسبة، فلا يمكن إلقاء اللوم على الآلة عند الخطأ، بل المسؤول هو الإنسان الذي وجهها، لقوله تعالى}: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ{ ]سورة الأنعام:164
حماية الفطرة: تقع على عاتق المربين مسؤولية الرقابة الواعية لضمان عدم تأثر النشء بمحتويات تتنافى مع القيم الإسلامية، مع الموازنة بين السرعة في الإنجاز والإتقان في العمل الذي يحبه الله.
العدالة والتحيز: يجب على المطورين المسلمين العمل على تقليل التحيز الخوارزمي بما يحقق العدل، لقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ { ] سورة المائدة:8
التوازن بين السرعة والإتقان: يشجع الإسلام على الإتقان في العمل، لقول النبي ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.
ومع تسارع الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام، يجب ألا يُفهم هذا “التسريع” على أنه مبرر لـ “الاستسهال” أو تقديم مخرجات ناقصة الجودة. فالهدف من التقنية هو تمكين الإنسان من الوصول إلى أعلى درجات الإتقان، لا مجرد الانتهاء من العمل بسرعة.
المسؤولية القانونية والأخلاقية: يؤكد المنظور الإسلامي على مبدأ “شخصية العقوبة والمسؤولية”. فلا يمكن إلقاء اللوم على الآلة عند وقوع خطأ أو ضرر؛ لأن الآلة مسيَّرة، بل يظل المسؤول الأول هو الإنسان (المبرمج أو المستخدم) الذي وجه هذه التقنية. وهذا يرسخ مبدأ المحاسبة الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [سورة الأنعام: 164
نصائح ختامية لتعزيز الوعي التقني:
التعلم المستمر: الإلمام بأساسيات عمل تقنيات الذكاء الاصطناعي يساعد في فهم مخاطرها وكيفية توظيف فوائدها بشكل صحيح.
الاستشارة: عند استخدام هذه التقنيات في مجالات حساسة (مثل الإفتاء، القضاء، أو الإدارة المالية)، يجب الرجوع إلى أهل الاختصاص والخبرة لضمان التوافق مع الضوابط الشرعية والقانونية.
تعزيز الهوية: السعي لتطوير محتوى عربي وإسلامي يُغذي نماذج الذكاء الاصطناعي، لضمان أن تكون المخرجات معبرة عن قيمنا وثقافتنا العربية والإسلامية.
حماية الفطرة والنشء (الجانب التربوي): يجب الحذر من الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي من قبل الأطفال والنشء، حيث يمكن أن تؤدي الخوارزميات التوليدية إلى عرض محتوى يؤثر على الفطرة السليمة أو يروج لأفكار تتنافى مع القيم الإسلامية والتربوية. لذا، يقع على عاتق المربين دور “الرقابة الواعية” لضمان أن تكون هذه التقنية خادمة للتعلم لا معولاً للهدم الأخلاقي.
الخلاصة: فلا بد أن تكون هذه التقنية تتماشى مع قيمنا وأخلاقنا الإسلامية؛ فالمؤمن الحقيقي هو من يوازن بين التقدم التكنولوجي والمسؤولية الأخلاقية، ليضمن أن كل خطوة يخطوها تكون في سبيل مرضاة الله تعالى والإحسان إلى خلقه









