الأوكتاجون: حين تنطق الحجارة والفولاذ بلغة الدولة. بقلم د. رضا عادل فاضل
الأوكتاجون: حين تنطق الحجارة والفولاذ بلغة الدولة.

بقلم د. رضا عادل فاضل
في لحظة ما قبل الغروب، عندما يلتقي الضوء بالنيل، صعدت موجة من الأصوات، موسيقى عسكرية هادرة، أجنحة طائرات تشق الهواء، خطوات موحدة تهز الأرض. لم تكن مجرد احتفالية رسمية، كانت قصة كاملة تُروى بلا كلمات.
عندما يصبح المبنى نصًا،قرأنا الأوكتاجون قبل أن ندخله، هندسته ذاتها خطاب: أرضيته العالية تقول نحن هنا، جدرانه الصارمة تقول لا تتزعزعنا، وفي كل زاوية توجد نبضة من الحضارة والحداثة يختلطان معًا، لا مكان للزخرفة العبثية، كل شيء له معنى، وكل معنى له وزن، هذا ليس بناء هذا إجابة.
الموسيقى كلغة أخرى:
عندما فتحت الأوركسترا أبواب الحفل، شعرنا أننا لسنا في مصر فقط، كنا في كل الحضارات، هيبة النغم العسكري، رقة الأوركسترا، التقاءهما في لحظة واحدة، الرسالة هنا أكثر تعقيدًا من كلمات: نحن قوة، لكننا قوة محترمة لتراثها، عاشقة لثقافتها، رافضة للبدائية،الموسيقى خيار سياسي، ولا أحد يختار الأوركسترا ليقول نحن همج.
الصورة الحية: فيلم بلا ممثلين.
الأفلام الوثائقية لم تُخبرنا عن التاريخ، استدعتنا إليه، لم نسمع ناصر، السادات، مبارك، السيسي كأسماء متنافسة، سمعنا قصة دولة واحدة تتطور، هذا اختيار صعب: أن تحترم خصومك، أن تعترف بجهودهم، أن تقول للشعب هذا أساسكم، الآن نبنيه أعلى،
قليل من القادة يملكون الشجاعة لهذا الصدق.
الأجنحة تحكي ما تسكت عنه الشفاه،تشكيلات الطائرات في السماء، ستة مقاتلات تحترق السحاب لحظة واحدة، تلك اللحظة، تقول أكثر من مائة خطاب رسمي،
إنها مقولة بدون كلمات: نحن هنا، نحن قوية، نحن حقيقية، لا نتحدث عن القوة، نحن نعيشها،
الطيارون ليسوا رياضيين هم فنانون يرسمون بالفولاذ على لوحة الهواء، والمشهد لم يكن معركة، كان باليه عسكري.
الجنود: الرسالة التي تمشي على قدمين، لكن الأهم جاء بعد الضجيج، عندما توقفت الطائرات، وهدأت الموسيقى، بقي جنود بملابسهم يقفون تحت الشمس، هنا الحقيقة، ليس الذهب، ليس اللمعان إنما الإنسان.
وعندما طلب الرئيس تغيير وضعية الوقوف من كتفًا سلاح إلى جنبًا سلاح، كانت تلك خطبة كاملة، قوة بدون ظلم، حزم بدون قسوة، سلطة بدون تعطش للسلطة، من يفهم هذا التفصيل يفهم الفرق بين الديكتاتورية والديمقراطية.
مشهد الأطفال لم يكن زينة، كان اعترافًا: نحن لا نبني لأنفسنا بل نبني لهؤلاء، هنا توقف كل شيء عن كونه عسكريًا واستعاد إنسانيته، ابتسامة رئيس دولة أمام طفل أصغر منه بأربعة عقود، هذا أقوى من أي استعراض، الأطفال لا يحبون القوة، يحبون الأمان، يحبون المستقبل، وعندما يبتسم قائد أمامهم، يقول للشعب: كل هذا لهم، كل هذا الجهد، كل هذا الانضباط، كل هذا الفولاذ له مكان واحد فقط: حماية طفل ما يلعب في الشارع.
ثم جاءت اللفتة الأكثر دقة:الحديث عن الإعلام،لم يكن استعراضًا، كان إعادة تعريف، الدولة تقول لوسائل إعلامها: أنتم لستم مراقبين، أنتم شركاء، شركاء في سرد القصة، شركاء في بناء الثقة،شركاء في الحوار بينالدولةوالشعب،اجتماعات سنوية برعاية الرئيس نفسه، رسالة واضحة: الإعلام لن يُتجاهل، لكن يجب أن يكون احترافيًا، موحدًا، طموحًا.
الحفل نفسه كان نقدًا ذاتيًا صامتًا،
الدولة تقول: نعم، لدينا قوة، لكننا نريد منكم أن تروا أكثر من القوة، روا التنظيم، روا الاحترافية، روا الإنسان تحت الزي، روا القائد الذي يأمر الجندي أن يستريح، روا دولة لا تخاف من أن تستمع إلى إعلاميها.
خرجنا من الحفل لا ندري إن كنا شهدنا بناء استراتيجي جديدًا أم رأينا مرآة عملاقة عكست لنا صورة أنفسنا كما تريدنا دولتنا أن نكون،
ربما هذا هو التعريف الحقيقي للاحتفالية الموفقة: أن تتركك لا تعرف أين انتهت الحقيقة وأين بدأ الحلم.









