من البيروقراطية الورقية إلى البيروقراطية الرقمية – الجزء الثالث
سلسلة مقالات: متى يصنع التحول الرقمي خدمة مستدامة حقيقية؟
بقلم:د.محمدعبدالفتاح الباروجي
الخبير في الاقتصاد الرقمي
المحاكم من رقمنة الإجراءات إلى العدالة الرقمية :
لقد أتاحت وزارة العدل خدمات إلكترونية للاستعلام عن الدعاوى ومواعيد الجلسات وبعض بيانات القضايا، وهي خطوة مهمة، لكنها لا تمثل وحدها عدالة رقمية متكاملة. فذلك يتطلب مسارًا إلكترونيًا موحدًا للدعوى منذ إنشائها وقيدها وحتى تنفيذ الحكم، يشمل تحرير صحيفة الدعوى وتقديمها إلكترونيًا، وملفًا قضائيًا رقميًا، وإيداع المذكرات والمستندات بتوقيع إلكتروني، والإعلان القضائي الموثوق، وسداد الرسوم، ومتابعة الإجراءات وأسباب تأخرها.
أما إنشاء الدعوى إلكترونيًا، ثم طباعة صحيفتها وتوقيعها ومسحها ضوئيًا وإعادة رفعها، فهو إعادة إنتاج للدورة الورقية داخل النظام الرقمي، وتزداد أهمية استقرار هذه الأنظمة في مجال العدالة؛ لأن تعطلها قد يؤدي إلى تأخير الفصل في النزاعات أو تنفيذ الأحكام.
التكنولوجيا المالية: بين اتساع الانتشار وجودة الاستخدام :
لقد بلغ عدد محافظ الهاتف المحمول النشطة 46.3 مليون محفظة في الربع الثاني من عام 2025، ونُفذت من خلالها 718 مليون معاملة بقيمة 943.4 مليار جنيه خلال ثلاثة أشهر، بزيادة سنوية بلغت 80% في عدد المعاملات و72% في قيمتها. وتكشف هذه المؤشرات عن اتساع سريع في استخدام الأدوات المالية الرقمية، لكنها لا تكفي وحدها لقياس جودة التجربة المالية أو اكتمالها.
فقد يمتلك الفرد حسابًا مصرفيًا ومحفظة إلكترونية وبطاقة دفع، لكنه يظل معتمدًا على النقد إذا كانت نقاط القبول محدودة، أو كانت الخدمة غير مستقرة، أو تعذر الوصول إلى الأموال عند الحاجة. لذلك ينبغي تقييم التكنولوجيا المالية من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: سهولة الوصول إلى الخدمة، وانتظام استخدامها فعليًا، وجودتها من حيث الأمان والاستمرارية وسرعة معالجة الأخطاء.
وتمثل ماكينات الصراف الآلي حلقة حاسمة في هذه المنظومة؛ فإذا أُودع الراتب أو المعاش إلكترونيًا، ثم كانت الماكينة معطلة أو خالية من النقد، أو احتجزت البطاقة، أو خصمت المبلغ دون صرفه، فإن المعاملة تكون قد نجحت داخل النظام المالي، لكنها فشلت عند نقطة الاستخدام الفعلي.
ولا تعكس هذه المشكلات عطلًا منفصلًا في ماكينة، بل تكشف ضعف المرحلة الأخيرة من الخدمة؛ فقد تعمل المنصة والبنك وشبكة المدفوعات، بينما يتعذر وصول المستفيد إلى أمواله. ومن ثم، لا يكفي قياس عدد الحسابات والمحافظ والماكينات، بل يجب قياس نشاطها الفعلي، وتوافر السيولة، ومعدلات الأعطال والاحتيال والشكاوى، وزمن تسوية العمليات المعلقة، وانتشار نقاط الدفع في القرى والمناطق الأقل خدمة









