من البيروقراطية الورقية إلى البيروقراطية الرقمية – الجزءالرابع
سلسلة مقالات: متى يصنع التحول الرقمي خدمة مستدامة حقيقية؟
استمرارية الخدمات الرقمية وقت الأعطال:
لا تخلو لا تُقاس كفاءة المنظومات الرقمية بقدرتها على منع الأعطال تمامًا، فهذا هدف غير واقعي، وإنما بمدى جاهزيتها لاحتواء الخلل، واستمرار الخدمات الحيوية، واستعادة التشغيل خلال زمن محدد، مع وجود بدائل تشغيلية ومسارات واضحة للتصعيد والمعالجة.
وتكشف بعض مشكلات منظومة التأمينات أن انتظام صرف معظم المعاشات لا يعني بالضرورة كفاءة المنظومة في جميع حالاتها؛ فقد تتأخر تسوية معاش جديد، أو إضافة مدة تأمينية، أو تصحيح بيانات غير دقيقة. ورغم محدودية هذه الحالات عدديًا، فإن أثرها بالغ على أصحابها، ولذلك لا ينبغي أن يقتصر التقييم على حجم المعاملات المنجزة، بل يجب أن يشمل سرعة معالجة الحالات المتعثرة، ووضوح أسباب التأخير، والمدة اللازمة للحل، وتحديد الجهة المسؤولة عنه.
وينطبق ذلك على خدمات الصحة والتموين والمدفوعات والمرور وغيرها؛ فإذا أصبح النظام الإلكتروني هو المسار الوحيد دون بديل تشغيلي أو زمن معلن لاستعادة الخدمة، تحول العطل التقني إلى تعطيل فعلي للحقوق والمصالح. ومن ثم، لا يجوز أن تكون عبارة «السيستم واقع» مبررًا لتوقف الخدمة أو غياب المسؤولية، بل يجب أن تكون بداية لإجراء واضح يضمن استمرارها حتى معالجة الخلل.
الثقافة الرقمية وتوطين التكنولوجيا :
لا يتحقق توطين التكنولوجيا بمجرد تعريب الواجهات، بل بإعادة تصميم الخدمة بما يلائم الواقع المحلي وقدرات المستخدمين واحتياجات الفئات المختلفة. ويظل نجاحها مرهونًا باختبارها عمليًا قبل تعميمها، وبناء ثقافة رقمية تعزز الاستخدام الآمن، وتحمي البيانات، وتضمن وضوح قنوات الاعتراض وتصحيح الأخطاء.
التشريعات الرقمية ودورها في دعم التحول الرقمي:
يكمُن التحدي الحقيقي في تحويل هذه المبادئ إلى حقوق وإجراءات قابلة للتطبيق؛ مثل معرفة أسباب رفض الطلب الإلكتروني، والبيانات التي استند إليها القرار، وآلية تصحيحها، والجهة المسؤولة عن الخطأ، والمدة المحددة للفصل في التظلم.
فالقرار الرقمي يجب ألا يكون أقل وضوحًا أو قابلية للمراجعة من القرار الإداري التقليدي، ولا يجوز أن تتحول عبارة ” السيستم لا يسمح ” إلى بديل عن قرار مسبب يمكن فهمه وتصحيحه والطعن عليه.
ماذا حققت التجارب الدولية ؟
ففي إستونيا يقوم النظام على مبدأ «المرة الواحدة»، بحيث لا تُطلب المعلومة نفسها من المستخدم أكثر من مرة، بل تتبادلها الجهات الحكومية عبر بنية رقمية آمنة، وقد أسهم هذا النموذج في إتاحة نحو 99% من الخدمات العامة إلكترونيًا، وخفض تكاليف إدارية تُقدَّر بنحو 2% من الناتج المحلي سنويًا.
وفي سنغافورة تم تصميم الخدمات الرقمية لتتناسب مع احتياجات الناس في مواقف الحياة المختلفة، بدلًا من مطالبتهم بالتعامل مع كل وزارة أو جهة حكومية بصورة منفصلة، ويتيح تطبيق «لايف إس جي» أكثر من مائة خدمة حكومية لنحو 1.5 مليون مستخدم، بينما استخدمت تسع جهات حكومية محفظة رقمية موحدة لصرف أكثر من 800 مليون دولار سنغافوري إلى 2.1 مليون مستفيد.
أما كوريا الجنوبية فاتجهت إلى تحويل الجزء الأكبر من خدماتها العامة الرئيسية إلى خدمات رقمية متكاملة، ونقل الأنظمة الحكومية إلى الحوسبة السحابية، وتصميم الخدمات رقميًا من بدايتها حتى نهايتها، مع عدم طلب البيانات المتكررة من المستخدمين









