في مؤتمر الجامعة البريطانية الدولي: المستشار عادل ماجد يشيد بجهود مؤسسات الدولة في تعزيز السيادة الرقمية
في مؤتمر الجامعة البريطانية الدولي: المستشار عادل ماجد يشيد بجهود
مؤسسات الدولة في تعزيز السيادة الرقمية
أشاد المستشار عادل ماجد نائب رئيس محكمة النقض، بالدور الذي تضطلع به مؤسسات الدولة المصرية في تعزيز السيادة الرقمية، مؤكدًا أن هذا المفهوم أصبح أحد المكونات الأساسية للسيادة الوطنية في عصر الذكاء الاصطناعي، ولم يعد ترفًا تقنيًا أو خيارًا مؤجلًا، في ظل ما تتمتع به شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي العالمية من نفوذ متنامٍ على البيانات والبنى الرقمية وتدفقات المعرفة وصنع القرار.
جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقاها في الجلسة العامة الأولى للمؤتمر العلمي الدولي الرابع، الذي تنظمه كلية القانون بالجامعة البريطانية في مصر يومي 30 و31 أغسطس 2026، تحت عنوان “انعكاسات الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان”، برعاية الأستاذ الدكتور محمد لطفي رئيس الجامعة، وبحضورالأستاذ الدكتور يحيى بهي الدين نائب رئيس الجامعة للبحث العلمي والمشروعات، وبرئاسة الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة عميد كلية القانون ورئيس المؤتمر، والتي شارك فيها الدكتور محمد الجندي مستشار الجريمة السيبرانية وأمن المعلومات بالأمم المتحدة، والنائبة أميرة قنديل عضو مجلس الشيوخ، والمستشار الدكتور عصام موريس نائب رئيس هيئة قضايا الدولة.
وأشاد المستشار عادل ماجد بمبادرة الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة عميد كلية القانون لتخصيص الجلسة العامة الأولى للمؤتمر موضوع بالغ الأهمية والدقة هو “الوضع المهيمن لشركات الذكاء الاصطناعي العالمية وتأثيره في سيادة الدول وحقوق الإنسان”، مشيرًا إلى أن اختيار هذا الموضوع يعكس وعيًا أكاديميًا متقدمًا بطبيعة التحولات التي يشهدها النظام الرقمي العالمي، وبما تثيره من تحديات قانونية تتجاوز حدود الدول، وبما يمكن أن تسهم فيه مخرجات المؤتمر من تبني خطوات فعالة لحماية مصالح دول الجنوب وحقوق مواطنيها.
وأكد أن هذا الموضوع يحظى باهتمام متزايد من الأمم المتحدة، في إطار الجهود الدولية الرامية إلى بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي تكون أكثر شمولًا وعدالة، وتكفل المشاركة الفعلية للدول النامية في صياغة القواعد المنظمة لهذه التكنولوجيا، وتحول دون انفراد عدد محدود من الشركات المهيمنة بتحديد مساراتها أو فرض نماذجها التقنية والقيمية على دول العالم، دون رغبة في الامتثال لقواعد الحوكمة أو التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي، لتحقيق مصالحها الخاصة.
وأوضح المستشار عادل ماجد أن مفهوم السيادة شهد تطورًا عميقًا في العصر الرقمي، فلم تعد قدرة الدولة على حماية استقلال قرارها ومصالحها الوطنية مرتبطة فقط بالسيطرة على إقليمها ومواردها المادية، بل باتت تشمل كذلك قدرتها على التحكم المستقل والفعال في بياناتها، وبنيتها التكنولوجية، ومنصاتها الرقمية، والأنظمة الخوارزمية التي تؤثر في حقوق مواطنيها وفي عمل مؤسساتها، وهي تمثل جميعها ركائز جوهرية لتعزيز السيادة الرقمية، بوصفها الوسيلة المتاحة لدول الجنوب ليس فقط لمواجهة نفوذ الشركات المهيمنة على الذكاء الاصطناعي، ولكن أيضًا لمواجهة التهديدات والمخاطر الناشئة عن الاستخدامات غير المشروعة أو غير المنضبطة للذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أشاد بجهود أجهزة ومؤسسات الدولة المصرية في حماية الفضاء الرقمي الوطني، بالاعتماد على منصات سحابية وطنية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وحماية البيانات، وبناء القدرات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن تضافر هذه الجهود يشكل أساسًا ضروريًا لصون استقلال القرار الوطني، وحماية حقوق المواطنين، وتهيئة بيئة آمنة للابتكار والاستثمار وتوطين التكنولوجيا.
كما ركزت كلمة المستشار عادل ماجد، التي جاءت بعنوان “دور القضاء في فحص القرارات والنتائج المستندة إلى خوارزميات شركات الذكاء الاصطناعي المهيمنة في ضوء ضمانات المحاكمة العادلة”، على امتداد آثار الهيمنة التقنية إلى مجال العدالة، وما قد ينشأ عن اعتماد المحاكم على منصات سحابية أو نماذج ذكاء اصطناعي تملكها أو تديرها شركات أجنبية مهيمنة من مخاطر تمس استقلال القضاء، وسرية المداولات، وأمن البيانات القضائية، وقدرة القاضي على فحص الأنظمة ذاتها وممارسة رقابته عليها باستقلال وحياد.
وطرح في هذا الإطار مفهوم «السيادة الرقمية القضائية»، الذي يقصد به قدرة الدولة، ممثلة في سلطتها القضائية، على ممارسة السيطرة المستقلة والفعالة على بيانات العدالة وبنيتها التكنولوجية والأنظمة الرقمية المستخدمة في العمل القضائي، بما يصون استقلال القضاء وسرية مداولاته وأمن بياناته، ويحول دون خضوعه لتبعية تقنية أو معرفية لشركات التكنولوجيا الأجنبية أو المهيمنة.
وأشار في هذا السياق إلى جهود وزارة العدل في تصميم منصات للذكاء الاصطناعي مؤمنة للقضاة وأخرى للجمهور تسهم في تحقيق العدالة الناجزة.
وشدد على أن مجرد وجود القاضي في نهاية العملية الخوارزمية لا يكفي لاعتبار الإشراف البشري إشرافًا حقيقيًا، إذ يتطلب الأمر تمكينه من فهم آلية عمل النظام وحدود مخرجاته، وإتاحة القدرة الفعلية على مراجعة النتيجة الخوارزمية وتجاوزها أو رفضها، خلال عمله القضائي، مع توفير التدريب القضائي المتخصص والخبرة الفنية المستقلة، بما يحافظ على الاستقلال الذهني للقاضي ويضمن بقاء القرار القضائي ثمرة اقتناع إنساني مستقل.
كما أكد ضرورة التفرقة بين “توظيف” الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة في العمل القضائي، وبين “إدماجه” بوصفه عنصرًا مؤثرًا في تكوين القرار القضائي وهو مر غير مقبول لأن القاضي لا يجب أن يدخل في تكوين عقيدته رأي لسواه. كما أكد على أن المخرجات الخوارزمية لا تكتسب قيمة إثباتية مستقلة لمجرد صدورها عن نظام للذكاء الاصطناعي، وإنما يمكن النظر إليها، بحسب الأحوال، باعتبارها قرائن تقنية بسيطة معززة.
واختتم المستشار عادل ماجد كلمته بالتأكيد على أن القضاء الواعي بحدود الخوارزميات، والقادر على فحص مخرجاتها باستقلال، يمثل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق والحريات وصون ضمانات المحاكمة العادلة في عصر الذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى اختيار نظم وأدوات تتلاءم مع البيئة والخصوصيات الوطنية، مع ضرورة وضع أطر قانونية لتنظيم إتاحة البيانات والأحكام القضائية وتخزينها ومعالجتها ونقلها عبر الحدود، والنظر في إصدار دليل وطني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء، عن طريق الجهات القضائية المختصة.









