مقالات

الأسرة الرقمية الآمنة في ظل التحولات الكبرى

الأسرة الرقمية الآمنة في ظل التحولات الكبرى

 

بقلم: د. عبد الحميد متولي

لم تعد الثورة الرقمية مجرد تطور في وسائل الاتصال، بل أصبحت تحولًا عميقًا يمس حياة الأسرة من الداخل، ويعيد تشكيل العلاقات بين أفرادها، وأساليب التربية، ومفاهيم الخصوصية، وطريقة تكوين الوعي والهوية لدى الأبناء. فالمنصة الرقمية اليوم لا تنقل الرسالة فحسب، وإنما تؤثر في السلوك، وتعيد ترتيب الاهتمامات، وتنافس الأسرة أحيانًا في تشكيل فكر أبنائها وقيمهم.

ومن هنا أصبحت قضية «الأسرة الرقمية الآمنة» ضرورة شرعية وتربوية ومجتمعية، وليست ترفًا فكريًا. فالتقنية في ذاتها ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًّا مطلقًا، وإنما يتحدد حكم استخدامها بحسب المقصد، والوسيلة، والنتيجة، وحجم النفع أو الضرر المترتب عليها.

وقد أتاحت التقنيات الحديثة للأسرة فرصًا كبيرة؛ فقرّبت المسافات، وساعدت على صلة الأرحام، ونقل العلم والمعرفة، وتعليم القرآن الكريم واللغة العربية، وربط أبناء المسلمين في بلاد المهجر بالمؤسسات الدينية والعلمية والثقافية. وهذه الفائدة تبدو أكثر أهمية بالنسبة للأسر المسلمة التي تعيش في البرازيل وأمريكا اللاتينية، حيث يمكن للفضاء الرقمي أن يكون وسيلة قوية لحفظ الهوية والدين واللغة والتواصل مع العالم الإسلامي.

لكن الوجه الآخر لهذا التطور يحمل تحديات خطيرة، من أبرزها الإفراط في استخدام الأجهزة، والإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، ونشر أسرار الأسرة، والتشهير بين الزوجين، واستغلال الأطفال وصورهم وبياناتهم، فضلًا عن المحتوى المضلل والشائعات والفتاوى مجهولة المصدر والتزييف العميق، وما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات تحتاج إلى وعي وضوابط أخلاقية وإنسانية.

ومن أخطر ما تواجهه الأسرة المعاصرة أن يجتمع أفرادها في مكان واحد، بينما يعيش كل فرد منهم منفصلًا داخل شاشته؛ فتضعف لغة الحوار، ويقل التواصل الحقيقي، ويتراجع حضور القدوة الوالدية. ولذلك فإن حماية الأبناء لا تكون بالتجسس عليهم أو بمنع التقنية منعًا مطلقًا، وإنما ببناء الثقة، والتدرج في الرقابة، والحوار المستمر، وتعليم الطفل كيف يميز بين الصحيح والمضلل، وكيف يحافظ على خصوصيته وكرامته وهويته.

إن مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال تقدم إطارًا متكاملًا للتعامل مع هذا العالم الجديد. فحفظ العقل يقتضي مواجهة التضليل والإدمان والمعلومات الزائفة، وحفظ العرض والكرامة يوجب صيانة الصور والأسرار وعدم التشهير، وحفظ النسل والهوية يقتضي حماية الطفل من الاستغلال والابتزاز والمحتوى الذي يهدم قيمه، وحفظ المال يستلزم الوقاية من الاحتيال الرقمي والاستهلاك غير المنضبط.

ولهذا فإننا بحاجة اليوم إلى الانتقال من مجرد معالجة الأضرار بعد وقوعها إلى مفهوم «الفتوى الرقمية الوقائية»؛ أي بناء الوعي قبل وقوع المشكلة، وتقديم إرشاد شرعي وتربوي يساعد الأسرة على التعامل مع المنصات والألعاب والذكاء الاصطناعي والخصوصية الرقمية بطريقة واعية ومتوازنة.

كما ندعو إلى تبني ميثاق للأسرة الرقمية الآمنة، تتفق من خلاله الأسرة على قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة، وأوقات خالية من الهواتف، خصوصًا أثناء الطعام والعبادة والاجتماع الأسري، مع احترام الخصوصية وعدم نشر الصور أو البيانات دون ضرورة، وتوعية الأبناء بمخاطر الابتزاز والتنمر والتزييف الرقمي.

ولا يمكن تحميل الأسرة وحدها هذه المسؤولية؛ فحماية الأسرة في العصر الرقمي مسؤولية مشتركة بين البيت والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والمنصات الرقمية والجهات المختصة. كما تحتاج الأقليات المسلمة، ولا سيما في البرازيل وأمريكا اللاتينية، إلى محتوى مؤسسي موثوق ومتعدد اللغات يراعي البيئة المحلية ويجمع بين الثوابت الشرعية وفهم الواقع المعاصر.

إن نجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد الأجهزة أو سرعة الاتصال، وإنما بقدرتنا على أن تظل التقنية في خدمة الإنسان والأسرة، لا أن يتحول الإنسان إلى تابع لها. فالإنسان هو الحاكم والموجّه للتقنية، والكرامة والمودة والرحمة وصلة الرحم وحماية الأبناء هي المعايير الحقيقية لأي أسرة رقمية آمنة.

التعريف بالكاتب:

فضيلة الدكتور عبدالحميد متولي
رئيس المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام
في البرازيل وأمريكا اللاتينية

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى