تغليظ العقوبة في قانون الكهرباء بين حماية المرفق العام وغياب التشريع المؤسسي المتكامل
تغليظ العقوبة في قانون الكهرباء
بين حماية المرفق العام وغياب التشريع المؤسسي المتكامل
بقلم: د. محمد سليم
استشاري الطاقة والاستدامة
على مدار العامين الماضيين، كتبتُ في أكثر من مناسبة عن قضية الفقد في قطاع الكهرباء، ليس بوصفها ظاهرة طارئة تُعالج بالعقوبة، وإنما كإشكالية هيكلية مركّبة تتطلب تشخيصًا مؤسسيًا وتنظيميًا واقتصاديًا قبل أي لجوء إلى التشريع العقابي، وقد تناولت هذه الكتابات نسب الفقد الفني والتجاري، وتحليل توزيع المشتركين على الشرائح المختلفة (سكني – تجاري – خدمي – صناعي)، وربط أنماط الاستهلاك بكفاءة التحصيل، مع التأكيد المتكرر على أن العداد الكودي يظل أداة تنظيم ودمج وتقنين، لا وسيلة عقاب مالي بمقاييس يعجز قطاع واسع من المواطنين عن الوفاء بها.
كما شددت هذه المقالات على أن مواجهة الفقد لا تنفصل عن بناء قاعدة بيانات دقيقة، ولا عن فهم الأسباب الحقيقية للمخالفة، ولا عن تطوير أدوات الوقاية التقنية والإدارية، بدل الاكتفاء بنقل العبء إلى المستخدم النهائي.
ورغم بطء وتيرة الأعمال الإصلاحية، وضعف الاستجابة المؤسسية لكثير من هذه الطروحات، كان قد نويت تقليل الكتابة، وربما التوقف المؤقت، انتظارًا لتحرك تشريعي او تغيير مؤسسي يكسر رتابة فترة تقليدية من الإدارة ويعالج جوهر المشكلة لا مظاهرها.
إلا أن تعديل مادتين فقط من قانون الكهرباء، الذي يضم ما يقارب ثمانين مادة، مع التركيز على تغليظ العقوبة دون مساس بالإطار المؤسسي والمالي والتنظيمي الأشمل، أعاد طرح التساؤل، ودفع – من باب المشاركة الإيجابية في التنظيم العام إلى تجاوز شعور عدم المشاركة، والعودة إلى النقاش العام، ليس رفضًا، بل سعيًا إلى امل تصويب المسار وتعزيز كفاءة التشريع وأثره.
أولًا: العقوبة قبل التنظيم… ترتيب تشريعي مقلوب
لا خلاف على ضرورة حماية مرفق الكهرباء باعتباره مرفقًا عامًا حيويًا يمس الأمن القومي والاقتصاد الوطني، كما لا جدال في أن الاستيلاء على التيار الكهربي بالمخالفة يمثل اعتداءً على المال العام، وتشوه عدالة توزيع الدعم، وتؤثر سلبًا على كفاءة الشبكة واستدامتها. الا ان التعديلات الأخيرة ركزت على العقاب قبل أن تُعالج البيئة المُنتجة للمخالفة.
وكان الأجدر – تشريعيًا – أن يُسبق تغليظ العقوبات بإصلاح البنية المؤسسية لشركات التوزيع والشركة القابضة، ووضع قواعد واضحة للفصل بين الأدوار ، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة، وبناء منظومة بيانات دقيقة للفقد الفني والتجاري.
ثانيًا: المادة (70)… حين تُغلَّظ العقوبة على العامل داخل كيان مؤسسي
تثير المادة (70) – على وجه الخصوص تساؤلًا بالغ الأهمية، إذ تُغلّظ العقوبة على العاملين في قطاع الكهرباء عند ارتكاب مخالفات بحكم الوظيفة أو بسببها، وهؤلاء العاملون لا يعملون بصفتهم الفردية، بل داخل كيانات مؤسسية عامة يُفترض أنها تخضع لقواعد تنظيمية واضحة، وإجراءات تشغيل قياسية، وتسلسل إداري ورقابي محدد.
ومن ثم، فإن منطق التشريع الرشيد يقتضي أن يسبق أو يتزامن تغليظ العقوبة مع:
• وضوح التعليمات التنفيذية،
• تحديد المسؤوليات بدقة داخل الهيكل الوظيفي،
• تفعيل نظم الرقابة الداخلية والتفتيش،
• وربط المسؤولية الفردية بالمسؤولية المؤسسية.
فلا يجوز أن يتحمل العامل وحده عبء خللٍ قد يكون ناتجًا عن ضعف منظومة الإشراف أو غموض التعليمات أو تضارب الأدوار، كما أن تجريم “العلم بالمخالفة وعدم الإبلاغ” دون وضع آليات واضحة للإبلاغ والحماية الوظيفية، قد يُحوّل النص من أداة ضبط إلى عامل ضغط وظيفي، يُضعف بيئة العمل بدلًا من أن يُصلحها وخاصة ان هناك كيانات سيادية لا يستطيع الاقتراب منها.
إن تغليظ العقوبة على العامل داخل المرفق العام يجب أن يكون آخر حلقات الإصلاح، لا أولها، وأن يستند إلى كيان مؤسسي منضبط، يحمي الموظف الملتزم، ويحاسب المخالف بعد أن تتوافر له قواعد واضحة، وأدوات عمل سليمة، ومسؤوليات محددة لا لبس فيها.
ثالثًا: سؤال غائب… أين تذهب حصيلة الغرامات؟
من أخطر ما غاب عن التعديلات، غياب نص صريح ينظم المصير المالي لقيمة التيار المسروق والغرامات المترتبة عليه:
• هل تؤول هذه العوائد إلى خزينة شركات التوزيع؟
• أم تُوزَّع بنسب على جهات إشرافية أو إدارية؟
• أم تدخل بالكامل إلى الخزانة العامة للدولة؟
إن تغليظ العقوبة، دون تنظيم مالي شفاف، قد يؤدي – دون قصد او عن قصد – إلى تعظيم مكاسب نفس الجهات المستفيدة من منظومة التحصيل، بما يخلق تعارض مصالح، ويحوّل العقوبة من وسيلة حماية إلى مورد مالي، وكان الأجدر استحداث مادة تُنظم هذا الجانب، وتضع عوائد الغرامات تحت رقابة مالية واضحة، بما يضمن نزاهة التطبيق وعدالته.
رابعًا: الفقد… الرقم المُعلن لا يعكس الحقيقة الاقتصادية
تشير البيانات المتداولة إلى أن نسبة الفقد في الشبكة تصل إلى نحو 22% انخفض الى 18 %، وتُقدَّر خسائره بنحو 22 مليار جنيه سنويًا على اعتبار ان الفقد الفني يمثل نصف هذه النسبة.
غير أن هذا الرقم – في تقديري وذكرته بدقة في مقالات سابقة ولقاءات تليفزيونية ايضا – لا يعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للفقد.
فالتقييم لا يصح أن يتم على أساس سعر بيع مدعوم أو محاسبي، بل يجب احتساب الفرصة البديلة، أي سعر الكيلووات ساعة الحقيقي، والمُعلن حاليًا بنحو 2.14 جنيه/ك.و.س.
وبتطبيق هذا السعر على حجم الفقد الفعلي، فإن الخسارة ترتفع إلى أضعاف الرقم المُعلن، وهو ما يغيّر جذريًا من طبيعة النقاش، ويجعل السؤال الجوهري: هل نُحسن قياس المشكلة قبل أن نُشدد العقوبة؟
خامسًا: العقوبة وحدها لا تُصلح منظومة
إن الاعتماد على التغليظ العقابي وحده، دون قاعدة بيانات موحدة ودقيقة، وتحليل موضوعي لأسباب الفقد (تقني – إداري – اجتماعي)، ووضع بدائل وقاية تقنية فعالة (عدادات ذكية، تحليل أحمال، نظم كشف مبكر)، وكذلك توجيه المجتمع المدنى لطرق بديلة ، كل ذلك يفضي إلى تشريع عقابي غير محكم بالقدر الكافي، نخشى معه أن يتحول من أداة تنظيم وحماية إلى عبء اجتماعي، لا يحقق الغاية المرجوة، ولا يقلل المخالفة بقدر ما يزيد الاحتقان.
الخلاصة: دفاعًا عن جوهر التشريع الرشيد
هذا الطرح ليس اعتراضًا على حماية المرفق العام، بل دفاعًا عن جوهر التشريع الرشيد، ومبدأ التناسب بين المخالفة والعقوبة تستند فيه الحكومة إلى بيانات ومعلومات موضوعية، وتضمن أن العقوبة تصيب موضعها دون إفراط أو إجحاف.
فالقانون القوي ليس هو الأشد عقوبة، بل الأدق تنظيمًا، والأعدل توجيهًا، والأكثر قدرة على الوقاية قبل العقاب.









