الأمن المائي المستدام.. كيف يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تغيّر المشهد المائي في مصر
الأمن المائي المستدام.. كيف يمكن للتكنولوجيا الرقمية
أن تغيّر المشهد المائي في مصر
عبير سلامة
تسلّط ورقة بحثية أعدّها د. محمد عبد الفتاح أحمد الباروجي، عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، الضوء على تحديات الأمن المائي في مصر، ودور التكنولوجيا الرقمية في تحسين إدارة الموارد المائية وتحقيق الاستدامة.
وتؤكد الورقة أن المياه تمثل أساس الحياة على كوكب الأرض، في ظل ما تشهده الموارد المائية من ضغوط متزايدة عالميًا، حيث لا تتجاوز نسبة المياه العذبة 2.5% من إجمالي المياه، ويُستخدم منها أقل من 1% للأغراض البشرية، وهو ما أدى إلى تفاقم أزمة ندرة المياه وارتباطها بتدهور الأوضاع الصحية والبيئية، خاصة في الدول النامية.
وأوضحت أن تزايد عدد السكان عالميًا، إلى جانب التوسع العمراني والاقتصادي والتغيرات المناخية، أسهم في زيادة الضغط على الموارد المائية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة على المستويين العالمي والإقليمي.
وفي هذا السياق، أشارت الورقة إلى أن مصر تمثل نموذجًا واضحًا لتحديات ندرة المياه، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يوفر نحو 97% من احتياجاتها المائية، في وقت تتزايد فيه الضغوط السكانية والاقتصادية، إلى جانب تحديات سد النهضة، ما يجعل قضية الأمن المائي أولوية وطنية.
وقدّرت الورقة الاحتياجات المائية لمصر بنحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل موارد متجددة تبلغ نحو 59.6 مليار متر مكعب، تشمل 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، و1.3 مليار من الأمطار، و2.4 مليار من المياه الجوفية، إضافة إلى 0.4 مليار متر مكعب من تحلية مياه البحر.
ولفتت إلى أن القطاع الزراعي يُعد أكبر مستهلك للمياه في مصر، حيث يستهلك أكثر من 40 مليار متر مكعب سنويًا، بما يمثل نحو 85% من إجمالي مياه نهر النيل، تليه الاستخدامات المنزلية بنحو 10 مليارات متر مكعب، ثم القطاع الصناعي بنحو 5.4 مليار متر مكعب.
وأشارت إلى أن الدولة تعتمد على إعادة استخدام نحو 21.6 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، إلى جانب استيراد محاصيل تعادل نحو 33 مليار متر مكعب من المياه، في محاولة لسد الفجوة المائية، إلا أن نصيب الفرد من المياه تراجع إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا، بما يعكس دخول مصر مرحلة الفقر المائي.
وأكدت الورقة أن تفاقم الأزمة يرتبط بعدة عوامل، من بينها محدودية الموارد، وضعف الأمطار، وارتفاع تكلفة التحلية، وتأثيرات التغير المناخي، إلى جانب النمو السكاني المتسارع.
وفي هذا الإطار، شددت على أهمية توظيف التكنولوجيا الرقمية كأداة محورية لتحسين إدارة الموارد المائية، مشيرة إلى تجارب دولية نجحت في هذا المجال من خلال الاعتماد على تقنيات حديثة مثل الاستشعار عن بعد، وأنظمة المعلومات الجغرافية، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، والنمذجة الرقمية، بما أسهم في رفع كفاءة الاستخدام وتحسين التخطيط المستقبلي.
وأوضحت أن هذه التقنيات تتيح مراقبة الموارد المائية بشكل دقيق، ورصد التغيرات البيئية، واكتشاف التسربات، وتحليل أنماط الاستهلاك، فضلًا عن التنبؤ بالطلب المستقبلي ودعم اتخاذ القرار.
ورغم ذلك، أشارت الورقة إلى وجود عدد من التحديات التي تعوق التحول الرقمي في قطاع المياه المصري، من بينها ضعف البنية التحتية الرقمية، وعدم تكامل الأنظمة، ونقص الاستثمارات الموجهة للتكنولوجيا، إلى جانب محدودية الكوادر المتخصصة، وغياب استراتيجية رقمية وطنية متكاملة لقطاع المياه.
وأكدت أن هذه التحديات تؤثر على كفاءة إدارة الموارد المائية، وتحد من الاستفادة الكاملة من أدوات التحول الرقمي، ما يستدعي تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية وتطوير البنية المؤسسية والتكنولوجية.
واختتمت الورقة بعدد من التوصيات، من بينها إنشاء منظومة وطنية ذكية لإدارة الموارد المائية تعتمد على تكامل البيانات والتقنيات الحديثة، والتوسع في استخدام نظم الري الذكية، وإطلاق برامج توعوية لترشيد الاستهلاك، إلى جانب إنشاء كيانات تعليمية متخصصة لإعداد كوادر مؤهلة، وإعادة هيكلة منظومة إدارة المياه، ووضع سياسات لدعم الابتكار في تكنولوجيا المياه، بما يعزز الأمن المائي المستدام في مصر.
عُرِضَتْ هذه الورقة البحثية خلال الجلسة النقاشية التي نظمها الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، التي يرأس أمانته د. أشرف عبد العزيز، تحت شعار: “التنمية المستدامة منظومة متكاملة لبناء المستقبل والإنسان”، التي عُقدت يوم السبت 11 أبريل 2026، وذلك بالتعاون مع جمعية المهندسين المصرية وجمعية المهندسين الكهربائيين، وبرعاية إعلامية من مجلة نهر الأمل.









