الأخبارمقالات

من البيروقراطية الورقية إلى البيروقراطية الرقمية – الجزء الأول

سلسلة مقالات:

متى يصنع التحول الرقمي خدمة مستدامة حقيقية؟

بقلم:د.محمدعبدالفتاح الباروجي
الخبير في الاقتصاد الرقمي
لقد حققت مصر توسعًا مهمًا في الخدمات المالية الرقمية؛ فوفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، ارتفع معدل الشمول المالي من نحو 27.4% عام 2016 إلى 77.6% بنهاية عام 2025. وبلغ عدد المواطنين المشمولين ماليًا نحو 54.7 مليون مواطن من إجمالي 70.5 مليون مواطن في سن الخامسة عشرة فأكثر، يمتلكون حسابات نشطة في البنوك أو البريد المصري أو محافظ الهاتف المحمول أو البطاقات مسبقة الدفع. وبذلك ارتفع عدد المواطنين المشمولين ماليًا بنسبة 219% بين عامي 2016 و2025

 

لكن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على جودة التحول الرقمي؛ فالمعيار لا يقتصر على اتساع نطاق الخدمات أو زيادة أعداد المستخدمين، بل يمتد إلى مدى تبسيط الإجراءات، وتقليل الزمن والتكلفة، وتحسين التكامل بين الجهات، وضمان استمرارية الخدمة، ومنع انتقال التعقيد البيروقراطي من الدفاتر والأختام إلى قواعد البيانات والأنظمة الإلكترونية؛ حتى لا تبقى العبارة الأشهر في التعامل مع الخدمات الرقمية ” السيستم واقع “

 

المشكلة ليست في استخدام التكنولوجيا، وإنما في الخلط بين مفهوم الرقمنة والتحول الرقمي

 

فالرقمنة تعني تحويل المعلومة من صورة ورقية إلى صورة رقمية؛ مثل مسح شهادة ضوئيًا، أو تحويل دفتر ورقي إلى قاعدة بيانات، إذاً هي ميكنة للإجراءات فقط، حيث تستخدم الحاسوب لتنفيذ الخطوات التقليدية نفسها، مع بقاء منطق العمل والمستندات الورقية والموافقات والأختام على حالها.

 

بينما يمثل التحول الرقمي عملية شاملة تبدأ بإعادة التفكير في فلسفة الخدمة وتصميمها، ثم تهيئة القوانين واللوائح للاعتراف بالمستندات والتوقيعات الإلكترونية، وتنتهي بتغيير التطبيق الفعلي داخل الجهات الحكومية والخاصة ؛ عن طريق اختصار الإجراءات، والاستغناء عن الورق غير الضروري، وربط قواعد البيانات، وتبادل المعلومات مباشرة، بما يتيح الحصول على الخدمة كاملة بسهولة، ودون مشقة أو تنقل متكرر أو تكاليف إضافية غير مبررة.

 

وبالتالي فإن تحويل طلب ورقي من خمس خطوات إلى طلب إلكتروني من خمس خطوات ليس تحولًا رقميًا، بل هو رقمنة للبيروقراطية

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى