سلسلة مقالات: متى يصنع التحول الرقمي خدمة مستدامة حقيقية؟
بقلم:د.محمدعبدالفتاح الباروجي الخبير في الاقتصاد الرقمي
تتضح هذه المفارقة في خدمات السجل المدني؛ إذ تُحفظ بيانات الميلاد والوفاة والزواج والطلاق والرقم القومي في قواعد بيانات إلكترونية، ومع ذلك لا يزال متلقي الخدمة مطالبًا في معاملات عديدة باستخراج شهادة ورقية من جهة حكومية، ثم حملها إلى جهة حكومية أخرى لإثبات بيانات تمتلكها الدولة بالفعل
ومن ثم لا تتمثل القيمة الحقيقية للتحول الرقمي في تسريع استخراج الشهادة الورقية فحسب، وإنما في الاستغناء عن طلبها متى أمكن للجهة المختصة التحقق من البيانات مباشرة، من خلال الربط الآمن بين قواعد البيانات، فالأصل أن تنتقل البيانات بين المؤسسات، لا أن ينتقل الفرد بينها حاملًا مستندات صادرة عنها.
وينطبق الأمر ذاته على خدمات الشهر العقاري والسجل التجاري وإدارة المرور؛ إذ قد تبدأ المعاملة إلكترونيًا، ثم تُستكمل بطباعة الطلب، والتوقيع عليه يدويًا، وتجميع الصور والأختام، والحضور إلى الجهة المختصة لإعادة تقديم بيانات سبق إدخالها على النظام.
ولا يعني التحول الرقمي إلغاء الحضور في جميع الأحوال؛ فبعض الإجراءات تقتضي وجودًا فعليًا، مثل فحص المركبة أو التحقق من هوية الشخص وإرادته عند تحرير توكيل، لكن الإجراء الحضوري المبرر يختلف عن الإبقاء على دورة ورقية مرهقة، أو مطالبة متلقي الخدمة بتقديم مستند أو إيصال صادر عن جهة حكومية لإثبات واقعة يمكن لجهة حكومية أخرى التحقق منها مباشرة عبر الربط الإلكتروني.
التحول الرقمي بين الاعتراف القانوني والتطبيق الفعلي :
لقد اعترف القانون المصري منذ عام 2004 بحجية التوقيع والمستند الإلكترونيين، وأُنشئت منظومة رسمية للتوقيع والختم الإلكترونيين، ومع ذلك لا تزال معاملات كثيرة تعتمد عمليًا على الإمضاء اليدوي والختم التقليدي والنسخة الورقية، بما يكشف فجوة بين الإطار القانوني والممارسة الإدارية. فالتحول الرقمي لا يكتمل ما لم يصبح المستند الإلكتروني أصلًا قانونيًا قابلًا للتوقيع والحفظ والتبادل والتحقق، لا مجرد خطوة تسبق الطباعة.
تشابه الأسماء ودقة التحقق من الهوية :
لا تكفي رقمنة بيانات المطلوبين لتنفيذ الأحكام أو أوامر الضبط إذا ظل التحقق قائمًا على تطابق الاسم وحده؛ فتشابه الأسماء قد يؤدي إلى الاشتباه في شخص غير معني بالإجراء، لذلك ينبغي أن يعتمد التحقق على حزمة من بيانات إثبات الهوية ، تشمل الرقم القومي والصورة وتاريخ الميلاد واسم الأم وغيرها من البيانات الموثوقة، بما يعزز دقة العمل الأمني، ويحد من الأخطاء، ويحمي حقوق المواطنين









