الدكتور عادل اليماني يكتب : خَرَجَ وَلَمْ يَعُدْ !!
الدكتور عادل اليماني يكتب : خَرَجَ وَلَمْ يَعُدْ !!
لما قال جيفارا : إن الفقر ليس عيباً ، كان يريد أن يستكمل حديثه ، بقوله : بل جريمة ! ولكن الأغنياء قاطعوه بالتصفيق !
يقول أمير المؤمنين ، على أبن أبي طالب ، رضي الله عنه وأرضاه : لو كان الفقر رجلاً لقتلته .
ويذكر التاريخ أن الخليفة الثاني ، عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه وأرضاه ، أوقف حد قطع يد السارق في (عام الرمادة 18هـ ) لما اشتد الفقر بالناس ، وضاقت أحوالهم ، وهو نفسه الذي سأل و الى مصر ، عمرو بن العاص ، ماذا تفعل لو جاءوك بسارق ، فقال : أقطع يده ، فقال له : و أنا إن جاءني جائعٌ من مصر ، أقطع يدك !
خرجوا ، ولم يعودوا ! خرجوا بحثاً عن لقمة عيش ، تسد جوعهم ، وجوع ذويهم . صِبْيَةٌ أقرب للطفولة منهم للشباب . وبين طرفة عين وانتباهتها ، تتحول رحلة سعيهم وجهادهم ، إلي بحيرة من الدماء ، علي جانبي الطريق .
سيارات ربع نقل قديمة متهالكة ، تقلهم يومياً ، بلا رقيب ولا حسيب ، من وإلي الحقول ، مكدسين ، متلاصقين ، السعيد فيهم من يجد لنفسه موضع قدم واحد فيها ، والسائق يهرول بلا رحمة ، ولو كانت هذه السيارات تحمل أغناماً أو بهائم ، لكانت بهما أرحم وأحن ! وفور توقف السيارة ، يهرعون إلي الحقول فوراً ، في الرمضاء وفي الزمهرير ، بلا رحمة أيضاً ، ويقضون وقتهم الطويل ، تحت تهديد ووعيد وعقاب مراقب الأنفار ! هي إذن أشغال شاقة يومية ، ولكن بشكل مختلف ! ولا تنسَ أبداً ، أشغال شاقة لأطفال !!
شهداء عند ربهم ، لا شك ، فهم أهل العمل والسعي ، علي صغرهم ، أهل البكور والكسب الحلال ، كما قال رسول الله ، صلي الله عليه وسلم : وإن كان خرج يسعى على أبوَين شيخَينِ كبيرَينِ ، فهو في سبيلِ اللهِ ، وإن كان خرج يسعى على نفسِه ، يعُفُّها ، فهو في سبيلِ اللهِ ..
تأملتُ مصائب الدنيا وفواجعها ، فرايتُها بسيطة هينة ، إلي جوار فجيعة أم ( وإن صدقت الرواية ) فقدت أبنائها الستة ، في هذه المذبحة !
ستة شباب كالورود ، خرجوا ساعين ، متحمسين ، قانعين راضين بالقليل ، ولكنَّ القليل هذا لم يقنع أو يرضَ بهم .
لله دَرُّكِ أيتها الأم الثكلي المكلومة .
الأمر مهيب ، والواقع أليم ، والموقف لا تشرحه العبارات ، ولا تُجدي معه الكلمات .
لم يهنوا ، ولم يتواكلوا ، ولم يتسكعوا في الطرقات ، ولم يسألوا الناس إحساناً .
لم يستسلموا لليأس ، رغم فقرهم ، وقلة حيلتهم ، وهوانهم علي الناس ، عاشوا بكرامة ، وماتوا كذلك ، بتلك الكرامة ، هؤلاء حقاً الذين : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ..
منطقة الدواويس ، بالقصاصين ، بالإسماعيلية ، كانت علي موعد مع نهاية قصة ، وبداية مأساة ، قصة ما أقصرها ، ومأساة ما أعظمها ! شباب يخرجون يومياً ، من الخامسة صباحاً ، من منطقة بحر البقر ، بالشرقية ، إلي الإسماعيلية ، للعمل في جمع الفول السوداني ، بأجر يومي مائة جنيه .
يوم عمل كامل ، يشمل الانتقال من محافظة لمحافظة ، وبهذا الأجر المتواضع ! الذي يقل عن ثمن ربع كيلو لحمة !!
نحو 20 ضحية ، وما يزيد عن 30 مصاباً ، والضحايا نصفهم أطفال ، أكبرهم سناً لم يتجاوز 14 عاماً !
هول الصدمة ، وبشاعة المشهد ، لجم أفواهم عن الكلام ، فقد مات الكلام أيضاً علي ألسنتهم ، مع موت فلذات أكبادهم .
هؤلاء يقيناً لم يكونوا فقهاء في الدين ، لكنهم فهموا معني الدين ، روح الدين ، وجوهر الدين . وكما علمهم نبيهم ، صلي الله عليه وسلم : ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ .
ولماذا داود تحديداً ؟ لأنه لو كان أحدٌ أغني عن العمل ، لكان داود ، إذ كان ملكاً نبياً ، امتلك الدنيا كلها ، ولم يكن بحاجة إلي عمل ، بل الجميع يعملون بين يديه !
فقراء مساكين ، إن غابوا ، لا يفتقدهم أحد ، وإن حضروا ، لا يلتفت إليهم أحد .
ضعهم في كفة ، وضع سارقي الأقوات ، وآكلي حقوق العباد ، والمتنطعين ، والمتسكعين ، والهبيشة والنبيشة ، واللاعبين بالبيضة والحجر والثلاث ورقات ، في كفة أُخري .
ترجح كفتهم كثيراً كثيراً ، فهم الأحب عند خالقهم ، أما الآخرون ، فقد لا يزن الوجيه منهم عند الله جناح بعوضة .
ولذلك ، يصبح لزاماً علي الجميع ، العمل لصالح الفقراء ، عدلاً ورحمةً وإنصافاً ، وأن تتضافر جهود الأجهزة والمجتمع ، للتخفيف عنهم ، والارتقاء بظروف معيشتهم ، وألا نترك تلك المهمة الأعظم ، وننشغل بما دونها ، من شؤون .
تماماً كما قال الصديق أبو بكر ، رضي الله عنه وأرضاه ، يوم بيعته : والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي ، حتى آخذَ له حقَّه ، والقويُّ فيكم ضعيفٌ عندي ، حتى آخذَ الحقَّ منه ..
قالوا قديماً : إذا رأيتَ الخطيبَ يحثُ الفقراءَ على الزهدِ ، دونَ الحديثِ عن سارقي قُوتِهم ، فاعلمْ أنه لصٌ بملابسِ واعظٍ ! فالدينُ يأتي ، ليُخرجَ الناسَ من فقرِهم ، لا ليرسخَه لديهم !
يأتي الدينُ ، لينشرَ السعادةَ بينَ بني البشرِ ، ويزيلَ الفوارقَ بينَ الطبقاتِ ، ويعينَ الفقيرَ المحتاجَ ، ويرفعَ من شأنِه .
وإذا رأيتَ الفوارق تتزايد بين طبقات المجتمع الواحد ، فأعلم أن هذا المجتمع ، علي خطر عظيم .
وإذا رأيتَ الفقير مكرماً في مجتمعة ، فأعلم أن هذا المجتمع علي الطريق الصحيح .
يُحْكَي أنَّ أحد ملوك العرب ، اعتقل شاباً من إحدي القبائل .
فما كان من القوم إلا أن أوفدوا إليه شيوخهم وأمراءهم جميعاً ، ليشفعوا لذلك الأسير .
فتعجّب الملك ، وقال : مَنْ هذا الذي اجتمعتم من أجله ؟!
قالوا بصوتٍ واحد : هو ملكنا !
فسألهم الملك متعجّباً ، ملككم ؟! ولِمَ لم يُخبرنا عن نفسه ؟!
فأجابوا بثقةٍ وثباتٍ : أَبَى أن يذلَّ نفسه ، وأراد أن يُريك كرامته في قومه !
اعتذر الملك فوراً للملك الأسير ! وأطلق سراحه ، إجلالاً له ، وإكرامًا لهم .
وبعد أيام ، بلغه أن ذلك الرجل ، لم يكن سوي راعٍ للأبل عندهم !
فبعث إليهم يسألهم : كيف تُسمّونه ملككم ، وما هو إلا أجير لديكم ؟!
فجاءه الجواب ، الذي خُلِد في التاريخ : لا أميرَ فينا ، إنْ ذُلَّ راعينا .
في أمان الله ، أيها العظماء ، ولتتحرر أرواحكم الطاهرة ، من عناء الدنيا ، إلي سعادة الآخرة . أذهبي أيتها الروح النقية ، راضيةً مرضيَّةً ، إلى روحٍ وريحان ، وربٍ راضٍ غيرِ غضبانَ









