مقالات

منذ 14 قرنًا: كيف دعا الإسلام إلى تحقيق التنمية المستدامة

بقلم: د. هند المتولي إبراهيم

في احتفال منظمة الأمم المتحدة بالذكرى السنوية السبعين لإنشائها، انطلقت خطة التنمية المستدامة 2030 تحت عنوان (تحويل عالمنا) لتُقدم أهداف التنمية المستدامة العالمية، في الفترة من 25-27 سبتمبر 2015م بمدينة نيويورك، اجتمع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة؛ لاعتماد أول خطة للتنمية المستدامة لكوكب الأرض، حيث تهدف إلى استكمال طريق التحفيز نحو التنمية المستدامة بعد خطة الألفية الإنمائية.

وتناولت خطة التنمية المستدامة 2030 سبعة عشر هدف تتمثل في:
1. القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان.
2.القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي.
3. ضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار.
4. ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع.
5. تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات.
6. ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وادارتها إدارة مستدامة.
7. ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة.
8. تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل للجميع والمستدام، وتوفير العمل اللائق للجميع.
9 إقامة بنية تحتية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع المستدام الشامل للجميع وتشجيع الابتكار.
10 الحد من انعدام المساواة داخل البلدان وفيما بينها.
11 جعل المدن والمجتمعات المحلية آمنة وقادرة على الصمود ومستدامة.
12 ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة.
13 اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.
14 حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام.
15 حماية النظم الإيكولوجية البرية وترميمها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، وإدارة الغابات على نحو مستدام، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي.
16.السلام والعدل وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة للجميع على جميع المستويات.
17 تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل تحقيق التنمية المستدامة.

في المقابل نجد أن الإسلام قد دعا إلى تحقيق هذه الأهداف قبل أكثر من 14 قرنًا، وستسرد هذه المقالة كيف دعا الإسلام لتحقيق هذه الأهداف
قد حرصت الشريعة الإسلامية على تحقيق التوازن الذي يضمن تلبية احتياجات الجيل الحالي دون المساس بحقوق الأجيال القادمة -الذي تسعى لتحقيقه التنمية المستدامة- من خلال مفهوم الاستخلاف وعمارة الأرض؛ الذي خلق الله الإنسان من أجله، كما قال تعالي: “إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” البقرة: جزء من الآية 30.

كما قال تعالى: “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” هود: جزء من الآية 61. قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة؛ والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب.

بالنسبة لهدف القضاء على الفقر: نجد أن الإسلام قد عالج الفقر بعدة طرق أولها: العمل، أن يعمل الإنسان في كافة مجالات الحياة (زراعة، صناعة، تجارة…..)، فالعمل عبادة، حيث تتعبد الأمة لله بالعمل، كما قال تعالى: “فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِ” الملك:15، “فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ” الجمعة: 10.

كما أن السنة النبوية بها العديد من الأحاديث التي تٌحث على العمل، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لأِن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه”.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده”.

كما عالج الإسلام الفقر عن طريق الزكاة، فقد فرضها الله على الغني تجاه الفقير، فالزكاة أول تشريع يضمن حق الفقير على الغني، ليس كصدقة تطوعية وإنما كحق مُلزم ومعلوم يُسهم في القضاء على مشكلة الفقر، كما أن الزكاة تُحقق التوازن داخل المجتمع المسلم.

قال الله تعالى: “خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا “التوبة: 103. هذا بالإضافة إلى الصدقة التطوعية، التي تضمن التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.

بالنسبة لهدف القضاء على الجوع: إن الله سبحانه وتعالى حينما خلق البشر وجعل الطعام قوامًا لهم وسببًا لاستمرار حياتهم، رزقهم أنواع عديدة ومتنوعة من الطعام، قال تعالى: “فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ (24) أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا (25) ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا (26) فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا (27) وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا (28) وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا (29) وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا (30) وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا (31) مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ (32)” عبس:24-32. ونجد أن الإسلام يرى أن الفقر والجوع ليس منشأهما ندرة الموارد، إنما منشأهما الإنسان نفسه، قال تعالى: “ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ” إبراهيم: جزء من الآية 32. وقد أكد الله سبحانه أن كل الثمرات التي أنعم بها علينا تكفي لإشباع حاجات الإنسان. كما قال سبحانه: “وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ” إبراهيم: جزء من الآية 34.

وقد جعل الله من أسباب النجاة من عذاب النار إطعام الطعام كما قال تعالى: “أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ” البلد:14. أي بذل الطعام للمحتاج في المجاعة. كما أوجب الله في بعض أنواع الكفارات مثا كفارة الظهار، وكفارة اليمين إطعام المساكين.

وبهذا يتضح أن مشكلة الجوع لم تنشأ من بخل الطبيعة أو عجزها عن تلبية احتياجات الإنسان، وإنما نشأت من ظلم الإنسان في توزيع الثروة وكفرانه للنعمة بعدم استغلال جميع الموارد التي تفضل الله بها عليه. لذا فإن اتباع منهج الله في الكون هو إحدى أهم الحلول الاستراتيجية للقضاء على الفقر والجوع.

بالنسبة لهدف الصحة الجيدة والرفاه: اهتم الإسلام بشأن صحة المسلم الجسمانية والروحية والعقلية، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فهناك بعض الأديان تهتم بالجانب الروحي فقط، وتُحرم الطيبات وزينة الله، وجاء القرآن يُعارض ذلك بقوله تعالى: “يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ (31) قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ…(32)” الأعراف.

وجاء في الحديث الشريف: “من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”، حيث اعتبر أن عافية البدن هى أولى مقومات الحياة الآمنة.

وكان رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: “سلوا الله العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة”. كما حرم الإسلام على المسلم أن يضُر نفسه كما قال تعالى: “ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ” البقرة: جزء من الآية 195.

كما قال رسول الله صل الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”، أي لا تضر نفسك ولا تضر غيرك. لذا حرص الإسلام على إنشاء الفرد القوي في عدة نواحي (إيمانه، صحته..) حتى تنشأ أمة قوية.

بالنسبة لهدف ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع: فقد حث الإسلام على طلب ونشر العلم، وما يترتب عليه من الثواب العظيم، وهناك العديد من الآيات والأحاديث التي تدل على ذلك منها: قوله تعالى: “ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ” اقرأ:1. “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا” طه: جزء من الآية 114. “قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ” الزمر: جزء من الآية 9. وقول الرسول صل الله عليه وسلم: “إذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”. ومنها أيضًا: عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر” وهذا حديث عظيم يدل على أن طلب العلم أفضل الأعمال، وأنه لا يبلغ أحد رتبة العلماء، وأن رتبتهم تأتي بعد رتبة الأنبياء. ومن الأحاديث التي تُحث على نشر العلم وعدم كتمه قول الرسول صل الله عليه وسلم: “من سُئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار”.

بالنسبة لهدف المساواة بين الجنسين: إن الإسلام دين العدالة؛ بإعطاء كل ذي حق حقه، والعدالة لا تقتضي المساواة، فالعدل مع المرأة لا يعني مساواتها بالرجل من كل الجوانب، والإسلام لا يدعو إلى مساواة الرجل والمرأة من كل الجوانب؛ لأن من يدعو إلى المساواة بينهما ويتجاهل الفروق بينهما في الخلقة والتكوين يُعرض المرأة للظلم؛ لأنه يُكلفها بما لا يتناسب مع خلقتها وطبيعتها.

كما قال تعالى: “وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ” آل عمران: جزء من الآية 36. فالعدل أن يكون لكل من الذكر والأنثى خصائصه التي تليق به، ويُكلف بما يُناسبه، ولا يُحمل فوق طاقته.

كما قال تعالى: “لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ” البقرة: جزء من الآية 286. فالإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في عدة أمور، والاستثناء من ذلك كان لمصلحة المرأة. ومن الأمور التى ساوى فيها الإسلام بين الذكر والأنثى: في القيمة الإنسانية؛ حيث لا فرق بينهما في الأصل والفطرة والقيمة والأهمية.

كما قال تعالى: “وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ” فاطر: جزء من الآية 11. كما ساوى بينهما في المسؤولية، فكل منهما مسؤؤل عن عمله “كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ” الطور: جزء من الآية 21. وأيضًا ساوى بينهما في الحقوق مثل: حق التملك والتعاقد والبيع والشراء.

وقد ذكر الله كثيرًا في القرآن الكريم المؤمنين والمؤمنات أحدهما إلى جانب الآخر. لكن الإسلام فرق بينهما في بعض الأحكام الشرعية؛ مراعاة للمرأة والتخفيف عنها ورحمة بها مثل: الصلاة والصوم أثناء الحيض والنفاس، كما أعفى الإسلام المرأة من أعباء الحياة المعيشية، فأوجب النفقة على الرجل، وفرق بينهما في أحكام الميراث؛ لحكم إلهية ومقاصد ربانية، لا يرجع لمعيار الذكورة والأنوثة، وإنما مراعاة للتوازن بين أعباء الرجل والمرأة، مع العلم أن الإسلام منح المرأة حقها في الميراث والذي لم تكن تحصل عليه في الجاهلية، بالإضافة إلى أن الشرع الحنيف أعطى للمرأة في كثير من الأحيان أكثر من الرجل. وتفضيل الرجل عن المرأة من حيث كونه قوَام عليها فهو يكدح ويضرب في الأرض حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة، ويجب على المرأة أن تفرح بهذه القوامة لأن الله سبحانة وتعالي أعطى المشقة والتعب للجنس المؤهل لذلك. وتفضيل المرأة عن الرجل من حيث كونها سكن له يتناسب معها الحنان والعطف والرأفة، كما أن لها مهمة لا يقدر عليها الرجال كالحمل والولادة، ولا يمكن للرجل أن يتحمل ما تتحمله المرأة، فكل منهما يُكمل الآخر حتى تستقيم الأسرة.

ونظرًا لاختلاف المرأة عن الرجل في المظهر والبنيان واتجاهات التفكير والرغبات والميول، نهى الإسلام عن مطالبة مساواة المرأة بالرجل، فعندما قالت السيدة أم سلمة يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث..أنزل الله سبحانه وتعالى: “وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ” النساء: جزء من الآية 32.

بالنسبة لتحقيق الأهداف التي تتعلق بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع، وجعل المدن والمجتمعات المحلية آمنة وقادرة على الصمود ومستدامة، وضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة، فقد دعا الإسلام على عدم الإسراف، والاعتدال والوسطية.

كما قال تعالى: “وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ” الأعراف: جزء من الآية 31. كما نهى الإسلام عن الإسراف في الاستهلاك حتى في العبادات؛ ويتضح ذلك من حديث النبي صل الله عليه وسلم: “أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ بسَعدٍ وَهوَ يتوضَّأُ، فقالَ: ما هذا السَّرَفُ يا سَعدُ ؟ قالَ: أفي الوضوءِ سَرفٌ قالَ: نعَم، وإن كنتَ على نَهْرٍ جارٍ”. كما شجع الإسلام على الإنتاج المستدام من قول النبي صل الله عليه وسلم: “من أحيا أرضا مواتا من غيرِ أن يكونَ فيها حَقُّ مسلمٍ، فهي لهُ”.

كما أن الوقف الإسلامي يُعتبر أحد الوسائل التي تلعب دورًا في توفير الموارد اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة؛ حيث يتضح من البعد الاقتصادي للتنمية المستدامة، والذي يتمثل في تنمية الموارد الاقتصادية للدولة حتي يمكن إقامة المشروعات الانتاجية، التي تُسهم في رفع مستوى المعيشة وخفض معدل البطالة، نجد أن الوقف يُسهم في تحقيق ذلك؛ من خلال استثمار المال الموقوف والأصول الوقفية في مشاريع استثمارية، كما أنه يُسهم في تقليل الفوارق بين الطبقات؛ من خلال دوره في توزيع الموارد على طبقات اجتماعية معينة لرفع مستوى معيشتهم، بالإضافة لدوره في نشر التعليم في الدول الإسلامية، من خلال إنشاء المدارس وتوفير العاملين بها، وإنشاء المكتبات، كما أن للوقف دورًا كبيرًا في دعم خدمات الرعاية الصحية؛ من خلال الإنفاق على العديد من المستشفيات والمدارس الطبية. وبذلك يتضح أن الوقف الإسلامي يحقق البعد الاقتصادي والاجتماعي للتنمية المستدامة
بالنسبة لهدف حماية النظم الإيكولوجية وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، ومكافحة التصحر ووقف تدهور الأراضي، فقد نهى الإسلام عن الإفساد في الأرض وحذر من الإخلال بالتوازن البيئي، كما أنه اعتبر تدمير الموارد الطبيعية إفسادًا. كما قال تعالى: “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا” الأعراف: جزء من الآية 56 . وبهذا يتضح أن الله سبحانه وتعالى قد حرم كل عمل يُفسد أو يضر بالبيئة كما قال تعالى: “وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” البقرة: جزء من الآية 205.

كما وضعت الشريعة مقاصد أساسية لحمايتها وهى: (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال)، حيث نهى الإسلام عن القتل والسرقة والظلم (حيث إنه حرم كل المعاملات الاقتصادية الظالمة من غش أو احتكار..)، كما يعنى اهتمام الشريعة بحفظ النفس، العقل، النسل، أنها شجعت على الاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم والرعاية الصحية.

أما بالنسبة لهدف السلام والعدل والعدل وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة للجميع على جميع المستويات، والذي يعني بناء مجتمعات مستقرة وآمنة يتمتع فيها جميع الأفراد بحقوقهم ويحصلون على العدالة دون تمييز، وتعمل فيها المؤسسات الحكومية بكفاءة ونزاهة وشفافية. في المقابل نجد أن الإسلام دعا إلى تحقيق ذلك من خلال الدعوة إلى السلام ونبذ العنف كما قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً” البقرة: جزء من الآية 208. كما جعل الإسلام حفظ النفس من أعظم المقاصد. كما دعا الإسلام إلى تحقيق العدل والمساواة.

كما قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ” النحل: جزء من الآية 90. أما عن بناء مؤسسات قوية، فقد دعا الإسلام إلى إسناد المسئولية إلى أهل الكفاءة والأمانة.

كما قال تعالى: “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” القصص: جزء من الآية 26. كما أكد الإسلام على مبدأ المسؤولية والمساءلة في إدارة شئون المجتمع كما ورد في حديث النبي صل الله عليه وسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.

كما شجع الإسلام على إشراك أفراد المجتمع في اتخاذ القرارات من خلال مبدأ الشورى كما قال تعالى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ” الشورى: جزء من الآية :38.

وفي الختام لابد أن ندرك أن الإسلام جاء دينًا شاملًا متوازنًا، يُنظم كافة شؤون الدنيا والآخرة، فهو المنهج القويم الذي يصلح به حال العباد في الدنيا والآخرة، لذلك فهو يدعو إلى تحقيق كافة أهداف التنمية المستدامة مجتمعة. وعلى كل فرد في المجتمع وهو يتطلع إلى تحقيق التنمية المستدامة أن يشعر أنه جزء من كيان المجتمع، ويُدرك أنه عنصر إيجابي وليس عنصرًا سلبي التصرف والسلوك، لهذا لابد أن يسير على هذا المنهج الرباني الذي وضعه الله لنا حتى يُجني ثمار عمله في الدنيا قبل الآخرة.

التعريف بالكاتب:
د. هند المتولي إبراهيم
– دكتوراة في الاقتصاد-كلية الدراسات الإفريقية-جامعة القاهرة

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى