الأخبار

واقع تمكين المرأة بين الإنجازات والتحديات

واقع تمكين المرأة بين الإنجازات والتحديات

بقلم د. رضا عادل فاضل

في جلسةٍ علمية ثريّة تجمع الرصانة الأكاديمية بالعمق الإنساني، أخذ الأستاذ الدكتور هاني جرجس عياد جرجس رزق، أستاذ علم الاجتماع الكامل والباحث المتخصص في قضايا المجتمع والهوية، الكلمةَ في فعاليات المؤتمر الدولي الثالث لقضايا المرأة في عيون المجتمع، ليُقدّم قراءةً اجتماعية دقيقة تلامس جوهر الواقع المصري والعربي، وتستند إلى أدوات التحليل السوسيولوجي بأمانةٍ علمية واضحة.

افتتح الدكتور هاني جرجس حديثه بكلماتٍ وفاء صادقة، مُعرباً عن شكره العميق وتقديره الجزيل لقادة هذا المؤتمر الذين يُجسّدون بجهودهم المتواصلة قيمةً علميةً حقيقية في مسيرة الاهتمام بقضايا المرأة. ثم كشف عن سعادته الغامرة بالانضمام إلى هذه الندوة، قبل أن يُحدّد منهجه بوضوح قائلاً: سأتحدث عن الشقّ الاجتماعي الخاص بالمرأة، وخصوصاً في المجتمع المصري، الذي يتشابك فيه الواقع المعاش مع أدوات علم الاجتماع وأُطره التحليلية.

انطلق الدكتور هاني جرجس من مقدّمةٍ نظرية رصينة، إذ أكّد أن النظرة إلى المرأة والأدوار الموكَلة إليها في أيّ مجتمع ما هي في جوهرها إلا معادلةٌ دقيقة بين الواجبات التي تؤدّيها والحقوق التي تحصل عليها. وأشار إلى أن هذه الواجبات تتباين وتتفاوت بتباين المجتمعات وطبيعة بنيتها الثقافية والاجتماعية، مؤكّداً أنه لا يمكن قراءة وضع المرأة بمعزل عن السياق المجتمعي المحيط بها.

ولفت الدكتور إلى وجود كائنات داعمة للمرأة، في مقدّمتها المؤسسات الحكومية والأهلية، وهذا المؤتمر ذاته الذي يُمثّل أحد تجلّيات هذا الدعم المؤسسي الراسخ، بما يؤدّيه من وظيفة محورية في تحقيق العدالة وتمكين المرأة ورفع الظلم عنها متى وُجد.

تناول الدكتور هاني جرجس المشهد بعدسة التحليل الاجتماعي الدقيق، مُشيراً إلى أن المرأة ليست كتلةً متجانسة واحدة، بل هي فئاتٌ متعددة متباينة تشمل: المرأة المعيشة، والمرأة المسنّة، والمرأة المتعلّمة وغيرهن. وأكّد أنه بلغة التحليل الإحصائي ثمّة فجواتٌ كبيرة وعميقة بين هذه القطاعات من حيث توزيع الحقوق والواجبات، مما يستوجب تعاملاً تخصّصياً مع كلّ فئة على حدة بدلاً من المعالجات العامة المجرّدة.

ووقف الدكتور عند تناقضٍ صارخ يعيشه الواقع العربي؛ إذ في الوقت الذي تضطلع فيه مؤسساتٌ جادّة بدعم المرأة وتمكينها، لا يزال البعض ينظر إلى هذه الجهود بعينٍ ريبة، واصفاً إياها بأنها أدوات تخريب للمجتمع وتدمير للأسرة وتقليد للغرب في قيمٍ لا تنسجم مع خصوصية المجتمع العربي وموروثه الثقافي الأصيل. وهو تناقضٌ يعكس عمق الأزمة الثقافية التي تعيشها المجتمعات في تعاملها مع قضايا المرأة.

في منعطفٍ إيجابي لافت، أشاد الدكتور هاني جرجس بالتحوّل الرقمي وانتشار وسائل الإعلام الجديدة بوصفهما عاملَين محوريَّين في تغيير معادلة الصمت المفروض على المرأة. وأكّد أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في حضور المرأة الإعلامي، وباتت تُعبّر عن نفسها بجرأة وانفتاح لم يكن متاحاً من قبل؛ مُضرباً مثلاً بارزاً على ذلك بـالنساء المُعنَّفات اللواتي باتت أصواتهن تُسمَع ومطالبهن بحقوقهن تجد طريقها إلى الفضاء العام دون أن يُكتَم صوتهن كما كان يحدث في الماضي.

لم يتجاهل الدكتور هاني جرجس التحدّيات الحقيقية التي لا تزال تُعيق مسيرة تمكين المرأة وتقف في وجه تحقيق المساواة الفعلية، وحدّدها في محاور واضحة:

التمييز القائم على النوع الاجتماعي، وهو تحيّزٌ بنيوي متجذّر يحتاج إلى مواجهةٍ ثقافية طويلة النفَس. والعنف ضد المرأة بشقّيه المتداخلين: العنف الإلكتروني الجديد الذي يتّخذ من الفضاء الرقمي سلاحاً للإيذاء والترهيب، والتنمّر والتحرش اللذان لا يزالان يُلقيان بظلالهما السوداء على واقع المرأة في أماكن العمل والمجال العام. وأشاد الدكتور بدور الأعمال الدرامية التي أسهمت في تثقيف المرأة وتوعيتها حول هذه الإشكاليات بأسلوبٍ شيّق وصلت به إلى شرائح واسعة لم تصلها المحاضرات الأكاديمية.

أنهى الدكتور هاني جرجس مداخلته بما يميّز العالِم الحقيقي عن المُنظِّر المجرّد؛ إذ قدّم منظومةً متكاملة من الحلول العملية القابلة للتطبيق، يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

أوّلاً: تطوير منظومة القوانين وإرساء تشريعات داعمة حقيقية للمرأة، تشمل تحديث قوانين الأسرة والعمل والحماية من العنف، وردم الفجوة المزمنة بين النصّ القانوني والتطبيق الفعلي.

ثانياً: تعزيز التعليم والتوعية بوصفهما القاعدة الأوثق والأعمق لأي تغيير اجتماعي مستدام يستهدف المرأة ومحيطها.

ثالثاً: التمكين الاقتصادي للمرأة من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تُتيح للمرأة ذمّةً ماليةً مستقلة وقدرةً على اتخاذ قراراتها بحرية وثقة.

رابعاً: مكافحة العنف ضد المرأة بجميع أشكاله وصوره، وإيجاد منظومة متكاملة من الردع والحماية.

خامساً: تقديم الدعم النفسي والقانوني للنساء اللواتي تعرّضن للإقصاء أو العنف، بما يضمن إعادة اندماجهن الصحّي والفعّال في المجتمع.

سادساً: زيادة تمثيل المرأة في مواقع القيادة وصنع القرار بما يكفل حضوراً حقيقياً لا حضوراً شكلياً يُزيّن الواجهة دون أن يُغيّر الجوهر.

أسهمت هذه المداخلة العلمية الرصينة في إثراء نقاش المؤتمر وتعميق أُطره التحليلية، مؤكّدةً أن علم الاجتماع هو المرآة الأصدق في قراءة واقع المرأة والوصول إلى حلولٍ تنبثق من صميم المجتمع لا من خارجه.

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى