الأخبار

وقفةٌ مع العقل الدبلوماسي.. السفير عبدالله الأشعل يُشرِّح قضايا المرأة بمِشرط القانون والضمير

حوار: د.رضاعادل وأ. عبير سلامة

في أجواءٍ فكرية راقية، وعلى وقع حوارٍ ثريٍّ بالمعنى والمضمون، التأم مساء يوم الاثنين الموافق ١٨/٥/٢٠٢٦ ، عند تمام الساعة التاسعة، لقاءٌ صحفي إعلامي استثنائي جمع نخبة من الإعلاميين بسيادة السفير الدكتور عبدالله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أحد أبرز الأقلام القانونية والدبلوماسية في المنطقة العربية، وصاحب البصمة الواضحة في خدمة مصر على الساحة الدولية لعقودٍ متصلة.


جاء هذا اللقاء في سياق المؤتمر الموسوم بـقضايا المرأة في عيون المجتمع، ذلك الملتقى الفكري الجامع الذي يتناول قضية المرأة من ثماني محاور متشعبة ومتكاملة، تشمل الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والدينية، والفلسفية، والقانونية، والتكنولوجية، فضلاً عن محاور أخرى تعكس عمق الرؤية وشمولية الطرح.


تولَّت قيادة هذا الحوار الثري الدكتورة رضا عادل، رئيس اللجنة الإعلامية، والإعلامية عبير سلامة، عضو اللجنة الإعلامية، وقد نسجتا خيوط الحوار بأسئلةٍ مدروسة ونافذة، تنمُّ عن إلمامٍ عميق بمحاور المؤتمر وقضاياه، فأحسنتا استنطاق الفكر الدبلوماسي لضيفهما، وأتاحتا له مساحةً رحبة للبوح بآرائه دون تعسفٍ في التوجيه، أو تقصيرٍ في المتابعة، فجاء الحوار متدفقاً بالمعنى، مُحكَم البناء، مشرقَ الأسلوب.


انطلق السفير الأشعل من موقفٍ واضح وصريح، إذ أكد أن رؤيته لقضايا المرأة تنبع من منهجية تجمع بين الدين والمجتمع في آنٍ واحد، مشدداً على ضرورة تثقيف المجتمعات تثقيفاً دينياً أصيلاً، يُفضي إلى تطبيق الدين في حقيقته ومقاصده، لا الاتكاء على الأعراف والتقاليد الموروثة التي كثيراً ما تُجحف بحق المرأة وتُضيِّق خناقها. وضرب مثلاً بالغ الدلالة بما يجري في بعض مناطق الصعيد المصري، حيث تُحرم المرأة من حقها الشرعي الصريح في الميراث، لا لسندٍ ديني، بل استناداً إلى موروثٍ عرفي لا سلطان له أمام نصوص الشريعة القاطعة.


وفي معرض حديثه عن الأجندات السياسية العربية وحضور المرأة فيها، أقرّ السفير بأن المرأة باتت تُشكّل حضوراً لافتاً في المنطقة العربية، مُستشهداً بنموذج الإمارات وأبوظبي تحديداً، غير أنه أبدى تحفظاً مدروساً، إذ رأى أن دول الخليج العربي تُقدِّم المرأة بوصفها شاهداً على تقدمها الحضاري، لا انطلاقاً من منظومة الحقوق الدينية الراسخة، وهو ما يستوجب إعادة النظر في المرجعية التي تُبنى عليها مكاسب المرأة وتُقيَّم في ضوئها.


استحضر السفير الأشعل نموذجاً إنسانياً وقانونياً بالغ الأهمية، هو نموذج الدكتورة *عائشة راتب، أستاذة القانون الدولي، التي شغلت منصب الوزيرة وتولت السفارة المصرية في ألمانيا، غير أن ترشيحها لمجلس الدولة قد قُوبل بالرفض، لا لقصورٍ في كفاءتها أو علمها، بل لأنها امرأة. وهو نموذجٌ كاشف بامتياز يُجسِّد كيف تظل قضايا المرأة أسيرةَ سقفٍ اجتماعي متجمِّد، بينما تتخطاه المرأة في الواقع بأشواط.


وحول تساؤلٍ محوري يخص مدى فاعلية القانون الدولي في صون حقوق المرأة، أجاب السفير بصراحة العارف وجرأة المختص، مؤكداً أن الخلل لا يكمن في نصوص القانون، بل في تربة المجتمع ذاتها. فما لم يتثقف المجتمع دينياً واجتماعياً، وما لم تتحول القيم من شعارات مُعلَنة إلى سلوكٍ يومي، ستبقى الاتفاقيات الدولية مجرد حبرٍ على ورق، وتبقى المرأة ضحيةً للظروف الاجتماعية التي لا تُقيم وزناً لضماناتٍ نظرية لم تنبثق من إرادةٍ شعبية حقيقية.
تناول السفير بجرأةٍ لافتة مسألة نظام الكوتا والتمثيل البرلماني، فرأى أن وجود المرأة في البرلمان لم يُثبت بالضرورة تفوقاً نوعياً حين تتصدر المشهد القيادي فيه. بيد أنه أضاف بنظرة واقعية متوازنة أن المرأة إذا امتلكت الوعي الكافي، والإلمام العميق بالقوانين والدستور، فلن يُجدي مجرد تواجدها العددي في قاعات التشريع ما لم يكن مصحوباً بقدرةٍ على التأثير والاشتباك الحقيقي مع ملفات الوطن.


وتطرّق السفير إلى الصورة التي يرسمها الخارج عن المرأة العربية، مُسجِّلاً اعتراضه على المقارنة الجائرة التي تُجريها بعض الأوساط الغربية بين المرأة العربية والمرأة الأجنبية، معتبراً هذه المقارنة غير سديدة، لافتقارها إلى الموضوعية المعرفية والاحترام الثقافي اللازمين لأي حوار حضاري حقيقي.


وعلى صعيد الأمن السيبراني والسيادة الرقمية، أكد السفير بنبرة تحريضية بناءة أن المرأة حتى اليوم تقف في هذا الميدان موقف المتفرج، داعياً إلى تشجيعها وتهيئتها لاقتحام هذا الفضاء الحيوي الذي بات يُشكِّل العمود الفقري للقوى الناعمة والصلبة على حدٍّ سواء، وأن إقصاءها عنه، طوعاً أو قسراً، يُعدّ خسارةً استراتيجية لا تحتملها مجتمعاتنا في هذا العصر المتسارع.


وتطرق اللقاء أيضاً إلى الفجوة بين النصوص القانونية المتعلقة بحقوق المرأة وبين التطبيق العملي على أرض الواقع، حيث أوضح الأشعل أن التشريعات وحدها لا تكفي إذا غاب الالتزام الأخلاقي والوعي المجتمعي، مؤكداً أن التربية والقيم تمثلان الأساس الحقيقي لبناء مجتمع متوازن.
وأكد أهمية دور الأسرة والأم في تنشئة الأجيال، مشيراً إلى أن للأم دوراً محورياً في تشكيل وعي الأبناء وبناء المجتمع، وأن استقرار الأسرة ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المجتمع بأكمله.


ختامٌ يحمل بذور بدايةأنهى السفير الأشعل حواره بلمسةٍ أكاديمية، مُفصِحاً عن أن بحثه، لو أسهم في هذا المؤتمر، سيحمل عنوان: مركز المرأة بين القانون والمجتمع، وهو عنوانٌ يختزل في كلمتين رحلةً طويلة من التوتر الخلّاق بين ما ينصّ عليه القانون وما يُكرِّسه الواقع. وخلص إلى قناعةٍ راسخة مفادها أن المرأة حتى هذه اللحظة لم تنل حقها كاملاً على أيٍّ من المستويات، وأن الطريق لا يزال طويلاً، والمسؤولية مشتركة.


*في الختام، لا يسع المتابع لهذا الحوار إلا أن يُجِلّ في السفير الدكتور عبدالله الأشعل رجلاً صنع بصمةً دبلوماسية مشرِّفة، ومثَّل مصر بكل رقيٍّ واقتدار في أرفع المحافل الدولية، وظل وفياً لقيم العدل والحق التي آمن بها، فكانت سيرته الدبلوماسية الحافلة خير شاهدٍ على ما قدّمه لوطنه بصدقٍ وإخلاص.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى