لا تبحث عن الإنسان الكامل في الزواج!… اختر مَن تطمئن إليه روحك ويقتنع به عقلك
لا تبحث عن الإنسان الكامل في الزواج!…
اختر مَن تطمئن إليه روحك ويقتنع به عقلك
بقلم: أ.د. إبراهيم حسيني درويش
٢١ أغسطس ٢٠٢٦

الزواج ليس مجرد اجتماع رجل وامرأة تحت سقف واحد، ولا هو إعجاب عابر أو انجذاب ينتهي بانتهاء شهر العسل؛ وإنما هو شراكة عمر، وميثاق غليظ، وسكنٌ تتداخل فيه الأرواح قبل أن تتجاور الأجساد.
إنه قرار تتغير به ملامح الحياة كلها؛ فبعد الزواج لا يعود الإنسان مسؤولاً عن نفسه وحدها، وإنما يصبح شريكاً في أحلام إنسان آخر، ومسؤولاً معه عن بيت وأبناء وذكريات، وأيام جميلة وأخرى قد تكون ثقيلة.
ولهذا كان حسن الاختيار قبل الزواج من أعظم أبواب الاستقرار بعده؛ فكثير من المشكلات الزوجية لا تبدأ بعد الزواج، وإنما تبدأ يوم اختار أحد الطرفين شريكه بعين الانبهار، لا بعين العقل، وبالعاطفة وحدها، لا بميزان الدين والخلق والمسؤولية.
وليس معنى ذلك أن نبحث عن إنسان بلا عيوب؛ فهذه فكرة مثالية لا وجود لها. كل إنسان فيه نقاط قوة وضعف، ويخطئ ويصيب، ويغضب ويرضى.
لكن الفارق الحقيقي ليس في وجود العيب، وإنما في نوع العيب، ومدى استحكامه، وقدرة الإنسان على الاعتراف به وإصلاحه.
ومن هنا تأتي القاعدة الأهم: لا تبحث عن الإنسان الكامل، وإنما ابحث عن الإنسان الصالح الذي تستطيع أن تبني معه حياة آمنة كريمة.
الزواج سكن ومودة ورحمة
وضع القرآن الكريم أساس العلاقة الزوجية في كلمات بالغة العمق، فقال سبحانه:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].تأملوا: «لتسكنوا إليها».فالزوج ليس منافساً، والزوجة ليست خصماً، والبيت ليس ساحة لإثبات من الأقوى.
الزواج في جوهره سكن؛ أن تجد إنساناً تستطيع أن تكون أمامه على طبيعتك، وتضعف أمامه دون أن يستغل ضعفك، وتخطئ فتجد باباً للاعتذار، وتحزن فتجد من يسمعك، وتنجح فتجد من يفرح لنجاحك.ولهذا قرن القرآن بين السكن والمودة والرحمة؛ لأن المشاعر قد تتغير قوتها مع ظروف الحياة، أما الرحمة فهي التي تحفظ العلاقة عندما تتعب المشاعر.
صفات في المرأة ينبغي الحذر منها
وقد تداول العرب قديماً أوصافاً لبعض الطباع التي قد تجعل معاشرة المرأة شاقة، ومن أشهر ما يُذكر: الأنانة، والحنانة، والمنانة، والحداقة، والبراقة، والشداقة.وهذه أوصاف اجتماعية وليست نصاً شرعياً، ولا يجوز اتخاذها حكماً على النساء، كما أن هذه الصفات قد توجد في الرجال أيضاً. والعبرة في النهاية بالدين والخلق والسلوك.
الأنانة… التي لا ترى إلا نفسها
الأنانية حين تتحول إلى أسلوب حياة من أكثر الصفات إنهاكاً للزواج. فالزوجة الأنانية لا ترى إلا احتياجاتها، وتريد أن تدور الحياة حول رغباتها، بينما تصبح احتياجات الزوج أمراً ثانوياً.
وقد تبدأ المسألة بأشياء صغيرة: «أنا أولاً»، ثم تتحول إلى فلسفة كاملة تجعل أحد الطرفين يأخذ دائماً ولا يعطي.
والزواج بطبيعته أخذ وعطاء، وتنازل متبادل، ومشاركة، وشعور بأن راحة الآخر جزء من راحتي.
والأمر نفسه ينطبق على الرجل؛ فالرجل الذي لا يرى إلا نفسه وراحته، ويريد من زوجته أن تتحمل كل الأعباء، لا يقل خطراً على البيت عن المرأة الأنانية.
الحنانة… التي يبقى قلبها معلقاً بالماضي
الحنين إلى الأهل طبيعي، وصلة الرحم فضيلة، لكن المشكلة حين يتحول الحنين إلى رفض للحياة الجديدة أو إلى مقارنة مستمرة بين الزوج وبيت الأهل أو بين الحاضر والماضي.
والأخطر أن يدخل الإنسان زواجه وقلبه ما زال أسير علاقة سابقة لم يتجاوزها.
فلا يمكن أن تبني بيتاً جديداً وقلبك يعيش في بيت قديم.
كما أن المقارنة المستمرة تقتل الرضا: «زوج فلانة يفعل كذا»، «في بيت أهلي كنا نفعل كذا»، «حياتي قبل الزواج كانت أفضل».الزواج الناجح لا يقوم على مقارنة الشريك بالآخرين، وإنما على صناعة مستقبل جديد مع الشريك.
المنّانة… التي تجعل العطاء سلاحاً
ما أقسى أن يتحول المعروف إلى فاتورة!هناك من يعطي، لكنه لا ينسى ما أعطى، ولا يسمح للآخر أن ينساه: «أنا التي فعلت»، «أنا الذي تحملت»، «أنا الذي ضحيت».
وهنا يتحول العطاء إلى وسيلة للسيطرة، ويصبح المعروف جرحاً.
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].فإذا كان المن والأذى يفسدان الصدقة، فكيف لا يفسدان المودة بين الزوجين؟
الحداقة… التي لا تملأ عينها النعمة
ليست المشكلة في الطموح إلى حياة أفضل، وإنما حين يصبح الإنسان أسيراً لما في أيدي الآخرين.«بيت فلانة أجمل»، «سيارة فلان أحدث»، «زوج فلانة اشترى لها كذا».وهكذا تصبح النعمة غير مرئية لأن العين مشغولة دائماً بما ينقص.
قال تعالى:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131].والرضا لا يعني التوقف عن التطور، وإنما يعني ألا نجعل حياة الآخرين معياراً دائماً لسعادتنا.
البراقة… حين يصبح المظهر أهم من الجوهر
الأناقة والجمال وحسن المظهر أمور محمودة، لكن المشكلة حين يصبح اهتمام الإنسان بنظرة الآخرين إليه أكبر من اهتمامه بعلاقته داخل بيته.
أن يكون المهم كيف تبدو الأسرة أمام الناس، لا كيف تعيش في الحقيقة.فالبيت الناجح لا يحتاج إلى جمهور، والسعادة الحقيقية لا تحتاج إلى كاميرا.
الشداقة… حين يتحول اللسان إلى أداة هدم
ليست كثرة الكلام وحدها هي المشكلة، وإنما الكلام الجارح والفضاح والمهين.
وقد تبقى كلمة واحدة في القلب سنوات.
قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53].
فإذا كان مطلوباً من المسلم أن يقول التي هي أحسن مع الناس، فكيف بمن يشاركه حياته وأسراره؟
صفات في الرجل لا ينبغي للمرأة أن تتجاهلها
وكما ينبغي للرجل أن يحسن الاختيار، فإن المرأة مطالبة أيضاً بأن تنظر بعين العقل، وألا يجعل الانبهار بالمظهر أو المال أو الوظيفة يحجب عنها حقيقة شخصية الرجل.
الرجل المتسلط… حين تتحول القوامة إلى استبداد
هناك فرق بين الرجل المسؤول والرجل المتسلط.
المسؤول يحمي أسرته ويرعى مصالحها ويشارك في القرار، أما المتسلط فيرى الحوار ضعفاً والاختلاف عصياناً.
قال تعالى:﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34].
والقوامة مسؤولية ورعاية، وليست رخصة للإهانة أو إلغاء شخصية المرأة.
والرجل الحقيقي ليس من يخيف أهل بيته حتى يطيعوه، وإنما من يجعلهم يحترمونه ويطمئنون إليه.
الرجل البخيل… الذي يحول المال إلى صراع
البخل ليس مجرد قلة المال؛ فقد يكون الإنسان محدود الدخل لكنه كريم النفس، وقد يكون غنياً لكنه بخيل في ماله ومشاعره ووقته.
والكرم ليس الإسراف، وإنما الإنفاق في حدود القدرة دون إذلال أو معايرة.فالأسرة تحتاج إلى عقل مالي، لكنها تحتاج أيضاً إلى الأمان.
الرجل الكذاب… الذي يهدم الثقة
الثقة من أعمدة الزواج، والكذب المتكرر يحول البيت من مساحة أمان إلى مساحة شك.
حين تضطر الزوجة إلى التساؤل دائماً: «هل يقول الحقيقة؟»، يبدأ جدار الأمان في الانهيار.وكذلك المرأة الكاذبة لا تصلح شريكة مستقرة للرجل؛ فالصدق ليس فضيلة إضافية في الزواج، وإنما أحد أعمدته الأساسية.
الرجل العصبي… الذي يحول البيت إلى منطقة خوف
الغضب شعور إنساني، لكن المشكلة في الإنسان الذي لا يملك غضبه.
فمن يصرخ ويهين ويهدد ويكسر أو يستخدم العنف، لا ينبغي اختزال سلوكه في عبارة: «هو عصبي لكنه طيب».
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [متفق عليه].
فالقوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في ضبط النفس.
الرجل الـ …. الذي لا يعرف معنى الوفاء
الوفاء ليس كلمة رومانسية، وإنما خلق وسلوك.
والرجل الذي يعتبر مغازلة النساء أو العلاقات العابرة أمراً طبيعياً ينبغي ألا يُستهان بهذا السلوك قبل الزواج؛ فالزواج لا يصنع معجزة تغير الإنسان بين ليلة وضحاها.
وكذلك المرأة التي لا تعرف معنى الوفاء أو تتجاوز حدود العلاقة الزوجية لا يمكن أن تبني بيتاً آمناً.
الرجل المستهتر… الذي يريد حقوق الزواج دون مسؤولياته
بعض الرجال يريدون زوجة وأبناء وبيتاً، لكنهم لا يريدون مسؤوليات الزوجية والأبوة.
يريد أن يعيش كما كان قبل الزواج بينما تقوم الزوجة بكل شيء.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» [متفق عليه].
فالأسرة أمانة، والأبناء أمانة، والعلاقة الزوجية نفسها أمانة.
الرجل المهين… الذي يهدم زوجته بالكلمة
قد لا يضرب الرجل زوجته، لكنه يهدمها كل يوم بكلمة: يسخر من عقلها، يقلل من شأنها، يهين أهلها، ويفضح أسرارها.
وهذه الإهانة المتكررة تستنزف الإنسان من الداخل.
قال الله تعالى:﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].والمعاشرة بالمعروف ليست طعاماً ومسكنًا فقط، وإنما احترام ورحمة وحسن صحبة وصيانة للكرامة.
فكيف نختار شريك الحياة؟
لا تسأل فقط: هل هو جميل؟ هل هي جميلة؟ هل يحبني؟ هل لديه وظيفة جيدة؟ هل عائلته مناسبة؟
اسأل أسئلة أعمق:
كيف يتعامل مع والديه؟ كيف يتصرف عندما يغضب؟ كيف يعامل من هم أضعف منه؟ هل يعترف بخطئه؟ هل يعتذر؟ هل يحترم الاختلاف؟ هل يحفظ الأسرار؟ هل يتحمل المسؤولية؟ وكيف يتعامل مع المال؟
فالشخصية الحقيقية لا تظهر عندما يكون الإنسان سعيداً، وإنما تظهر عندما يغضب، ويُرفض طلبه، ويختلف معك، ويواجه أزمة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاظفر بذات الدين» [متفق عليه].
وقال صلى الله عليه وسلم:«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» [رواه الترمذي].
وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الاختيار ينبغي أن يقوم على الدين والخلق، لا على الشكل والمال والمكانة وحدها
لا تبحث عن الإنسان الكامل!
لا تبحث عن امرأة لا تخطئ، ولا عن رجل لا يغضب؛ فالكمال ليس من طبيعة البشر.
ابحث عن إنسان إذا أخطأ اعتذر، وإذا غضب هدأ، وإذا اختلف حاور، وإذا وعد وفى، وإذا أحب أخلص، وإذا امتلك لم يتكبر.
فالزواج الناجح ليس بين شخصين بلا عيوب، وإنما بين شخصين يعرف كل منهما كيف يتعامل مع عيوب الآخر، وكيف يمنع العيوب الصغيرة من أن تتحول إلى جدران تفصل بينهما.
لكن هناك عيوباً يمكن احتمالها وإصلاحها، وهناك صفات لا ينبغي الاستهانة بها، مثل العنف، والإهانة المتكررة، والخيانة، والكذب المزمن، والإدمان، والتسلط، ورفض تحمل المسؤولية.
فلا تتجاهل ما تراه في فترة التعارف بحجة أن الزواج سيغير الإنسان؛ فقد يتغير الإنسان، لكن التغيير يحتاج إلى إرادة صادقة، وليس إلى مجرد عقد زواج.
قبل أن تقول نعم… انظر إلى المستقبل لا إلى اللحظة
لا تسأل نفسك فقط: هل أحبه؟
بل اسأل:هل أحترمه؟ هل أثق به؟ هل أشعر بالأمان معه؟ هل أستطيع أن أختلف معه دون خوف؟ هل يصلح أن يكون أباً أو أماً لأبنائي؟ كيف سيكون حالنا عندما تضيق بنا الظروف؟
فالحب الحقيقي ليس فقط أن تجد شخصاً يسعدك في الأيام الجميلة، وإنما أن تجد إنساناً تأمن جانبه في الأيام الصعبة.
والزواج قرار عمر، فلا تجعله قرار لحظة.
الخاتمة: اختر السكن لا الصراع
في النهاية، لا الرجل ملاك ولا المرأة ملاك، وكل إنسان يحمل نقاط قوة وضعفاً.
لكن الحكمة أن تعرف الفرق بين عيب يمكن تجاوزه، وصفة تتحول إلى خطر دائم على الكرامة والأمان.
لا تجعل الجمال وحده معيارك، ولا المال وحده، ولا الوظيفة، ولا العائلة، ولا الانبهار الأول.
اختر صاحب الخُلق حين يغضب، وصاحب الضمير حين يملك، وصاحب الوفاء حين يغيب الرقيب، وصاحب الرحمة حين يضعف أمامه من يحب.
فالبيت لا يبنيه جمال الوجه ولا كثرة المال، وإنما تبنيه المودة والرحمة والاحترام والصدق والوفاء وتحمل المسؤولية.
وإذا وجدت إنساناً يحفظ لك كرامتك، ويصون غيابك، ويستر عيوبك، ويفرح لفرحك، ويسندك في ضعفك، ويخاف الله فيك؛ فلا تضيّعه بحثاً عن إنسان كامل.
فالشريك الصالح ليس من يخلو من العيوب، وإنما من تكون محاسنه أكبر من عيوبه، ووجوده في حياتك سَكناً لا عبئاً، وأماناً لا خوفاً، وشراكةً لا صراعاً.
وقد لخّص القرآن الكريم فلسفة الحياة الزوجية في كلمات قليلة تحمل معنى العمر كله:﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فإذا كان الزواج سكناً، فاختر من تشعر معه بالسكون.
وإذا كانت الحياة الزوجية مودة ورحمة، فلا تبحث عن إنسان يملأ أعين الناس، وإنما عن إنسان يملأ قلبك طمأنينة.
لا تتزوج من يعجبك فقط… تزوج من تستطيع أن تأمن إليه.
فالإعجاب قد يبدأ به الزواج، لكن الأخلاق هي التي تحميه، والرحمة هي التي تطيل عمره، والوفاء هو الذي يمنحه الأمان.
اللهم ارزق شبابنا وفتياتنا حسن الاختيار، وارزقهم أزواجاً صالحين وبيوتاً عامرة بالمودة والرحمة، واجعل بينهم السكينة والوفاء، وبارك لكل زوجين في بعضهما، واجعل بيوتهم بيوت سكينة ورحمة ورضا.









