مقالات

حفظ النفس البشرية

حفظ النفس البشرية

 

بقلم: د. وسام مجدى جاد

يُعدُّ حفظ النفس وصيانتها من الضروريات الخمس التي أجمعت كل الشرائع السماوية على حمايتها، وقد أحاط الإسلام النفس البشرية بسياج من الرعاية والتعظيم، فحرّم الاعتداء عليها بغير حق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ [سورة الأنعام: 151].

كما شدد الشرع على منع الإنسان من إزهاق روحه بيده (الانتحار)، صيانةً لهذه الأمانة التي استودعها الله فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾ [سورة النساء: 29]، ذكر الإمام القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن” أن هذه الآية الكريمة تتضمن نهياً عاماً عن أن يقتل المسلم نفسه أو غيره، وتشمل النهي عن قتل النفس عمداً، أو تعريضها للمهلكات، أو الانتحار، أو ارتكاب المعاصي التي تؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة، وأكد أن نفوس المسلمين كالنفس الواحدة، واستدل بقصة عمرو بن العاص (رضي الله عنه) في “غزوة ذات السلاسل”، حيث تيمم في برد شديد ولم يغتسل خشية الهلاك، فأقره النبي ﷺ على فعله، مما يبرهن على أن الشريعة تنهى عن تعريض النفس للمخاطر التي قد تفضي إلى الموت.

وجاء في السنة النبوية وعيد شديد لمن أقدم على قتل نفسه، قال النبي ﷺ: “وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ في الدُّنْيَا عُذِّبَ به يَومَ القِيَامَةِ” أخرجه البخاري.

وقد أكد النبي ﷺ حرمة الدماء في خطبة الوداع بقوله: “إنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ علَيْكُمْ حَرامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا” رواه البخاري.

أسباب ظاهرة الانتحار:

تتعدد العوامل التي قد تدفع الشخص إلى التفكير في إنهاء حياته، ومن أبرزها:

اضطرابات الصحة النفسية:
وتعد من أهم الأسباب، مثل الاكتئاب الحاد، فصام الشخصية، واضطرابات تعاطي المخدرات.

العوامل البيئية الضاغطة:
مثل التعرض لأحداث حياتية مجهدة، كالخسارة الاجتماعية، فقدان العلاقات القوية، أو التعرض المستمر للتنمر والتحرش والإساءة الجسدية، بالإضافة إلى سهولة الوصول لوسائل قاتلة.

الأسباب الاجتماعية والثقافية:
وتتمثل في الشعور بالانعزال، وعدم القبول من الآخرين، أو الإحساس بالغربة الناتجة عن أفكار أو معتقدات خاطئة وتصادمها مع المجتمع.

أما سبل الوقاية من ظاهرة الانتحارفيمكن حماية المجتمع من هذه الظاهرة عبر مسارات متكاملة:

أولاً: التربية الإسلامية السليمة: التي تهدف إلى بناء عقيدة الفرد وتصحيح أفكاره، ليصبح إيمانه بالله وبالقدر خيراً وشراً صمام أمان له.

ثانياً: تقوية الوازع الديني: عبر التمسك بأوامر الله واجتناب نواهيه، واستحضار معية الله في الأزمات.

ثالثاً: العناية بالشباب: بتوفير مناخ صحي يبني شخصياتهم من النواحي الروحية والخلقية، مما يجعلهم أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحمل المسؤوليات.

رابعاً: التوعية الإعلامية: من خلال برامج هادفة تظهر خطورة هذه الظاهرة وآثارها المدمرة على الفرد والأسرة.

خامساً: الدعم التخصصي: إنشاء مراكز علاجية متخصصة للوقاية من إيذاء النفس؛ لمناقشة المضطربين ومساعدتهم على التغلب على ظروفهم القاسية بأساليب علمية ونفسية.

ختاما.. إن العودة إلى المنهج القرآني واتباع السنة النبوية هما أساس السعادة والاستقرار النفسي في الدارين، قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ ۝١٢٣ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا﴾ [سورة طه: 123-124].

التعريف بالكاتب:
د. وسام مجدى جاد
– عضو هيئة التدريس بكلية الدراسات الاسلامية والعربية بالمنصورة

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى