«أسفك» يواصل دوره الريادي في دعم التعلم مدى الحياة وبناء الإنسان
في ندوته الثالثة.. تجارب عربية ملهمة من المغرب والسودان حول التعلم مدى الحياة
«أسفك» يواصل دوره الريادي في دعم التعلم مدى الحياة
وبناء الإنسان
في ندوته الثالثة.. تجارب عربية ملهمة من المغرب والسودان حول التعلم مدى الحياة
كتب: محمود علي
في إطار دوره الريادي في دعم مسيرة التعلم مدى الحياة، وتعزيز الحوار وتبادل الخبرات والتجارب العربية في مجال تعليم الكبار وبناء الإنسان، أقام المركز الإقليمي لتعليم الكبار «أسفك» – يونسكو – مصر، عبر المنصة الافتراضية «زووم»، ندوته الإقليمية الثالثة ضمن سلسلة ندواته، تحت عنوان «التعلم مدى الحياة وبناء الإنسان: رؤى عربية ملهمة وتجارب رائدة من المغرب والسودان»، وذلك تحت رعاية السيد الوزير محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، وتوجيهات أ.د. أيمن محمد بهاء الدين، نائب وزير التربية والتعليم.
حوار عربي حول مستقبل التعلم وبناء الإنسان
وشهدت الندوة مشاركة نخبة من المتخصصين والباحثين، لبحث أبعاد التعلم مدى الحياة ودوره في بناء الإنسان، واستعراض تجارب عربية من المغرب والسودان، بما يفتح آفاقًا جديدة لتبادل الخبرات وتعزيز التعاون العربي في هذا المجال.
نخبة من المتخصصين والباحثين
شارك في الندوة الدكتور محمد عبد الوارث القاضي، مدير المركز الإقليمي لتعليم الكبار «أسفك» – يونسكو – مصر، والأستاذ خالد فتاح، الباحث في مجال تعليم الكبار والتعلم مدى الحياة بكلية علوم التربية – جامعة محمد الخامس – الرباط – المملكة المغربية، والدكتور ناجي الشافعي، رئيس الشبكة العربية لمحو الأمية وتعليم الكبار – السودان.
القاضي: مواجهة الأمية تجاوزت مفهوم القراءة والكتابة
وافتتح الدكتور محمد عبد الوارث القاضي الندوة بكلمة رحب خلالها بالحضور، مؤكدًا أن اللقاء يأتي ضمن سلسلة ندوات تبادل تجارب الدول العربية والعالمية في مجال محو الأمية، تحت عنوان «التعلم مدى الحياة وبناء الإنسان: رؤى عربية ملهمة وتجارب رائدة من المغرب والسودان».
وأوضح أن قضية مواجهة الأمية وتعليم الكبار لم تعد مجرد برامج تقليدية لفك الشفرة والكتابة، وإنما أصبحت ركيزة أساسية وقاطرة للتنمية المستدامة، وأداة محورية لبناء الإنسان العربي القادر على التكيف مع متغيرات العصر الرقمي والمعرفة.
تبادل التجارب.. مدخل لحلول نابعة من الواقع
وأشار القاضي إلى أن تبادل الرؤى والتجارب بين الدول العربية يسهم بصورة مباشرة في صياغة حلول وابتكارات حقيقية تنطلق من واقع العمل الميداني، مؤكدًا أن المركز الإقليمي لتعليم الكبار «أسفك» يفخر بتاريخه ومسيرته الوطنية والإقليمية، باعتباره منارة ثقافية وتربوية وصرحًا لبناء وتعزيز قدرات الكوادر والمهنيين في أنحاء الوطن العربي.
وأضاف أن المركز يترجم رسالته بوصفه قوة ناعمة للدولة المصرية ومنصة فاعلة لتبادل الخبرات في السياسات التربوية.
المغرب.. تراجع كبير في معدلات الأمية
واستعرض الأستاذ خالد فتاح تجربة المملكة المغربية في مجال محو الأمية، متناولًا ثلاثة محاور رئيسية، جاء في مقدمتها وضعية الأمية بالمملكة المغربية.
وأوضح أن نسبة الأمية في المملكة المغربية بلغت عام 1960 نحو 82%، قبل أن تتراجع، بعد جهود مختلف الفاعلين والمتدخلين، إلى 24.8% وفق الإحصائية الرسمية التي أجرتها الدولة عام 2024، معتبرًا ذلك نجاحًا كبيرًا للمملكة في مجال محو الأمية، مشيرًا إلى أن الأمية في المملكة ترتبط بصورة أساسية بالفئات القروية والريفية والنساء والشباب.
سياسات مغربية لمواجهة الأمية
وتناول فتاح تجربة المغرب في مجال محو الأمية وفق مجالات التدخل المقترحة من جانب اليونسكو، وتشمل السياسات والتمويل والجودة والمشاركة.
وأوضح أنه على مستوى السياسات، يؤكد دستور المملكة المغربية أن التعليم حق للجميع، وأن على الدولة وجميع المشتغلين توفير شروط الحصول عليه بجودة، فيما يمثل القانون الإطار للتربية والتكوين إطارًا للتعليم غير النظامي ومحو الأمية باعتبارهما جزءًا من النظام التربوي المغربي.
استراتيجية وطنية وحوكمة لبرامج محو الأمية
وأشار إلى أن الدولة المغربية توفر استراتيجية وطنية لمحاربة الأمية تشمل مختلف المتدخلين، وتنظر إلى محو الأمية باعتباره رافعة للتمكين والتعليم مدى الحياة.
وعلى مستوى الحوكمة، أوضح أنه تم إحداث الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية تحت وصاية رئيس الحكومة، فيما تنفذ برامج محاربة الأمية من جانب هيئات المجتمع المدني، إلى جانب برامج محو الأمية بالمساجد بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مع إحداث آليات لتقييم برامج محاربة الأمية على مختلف المستويات.
التمويل والشراكات في مواجهة الأمية
وفيما يتعلق بالتمويل، أوضح فتاح أن هناك ميزانية للدولة مخصصة للوكالة الوطنية لمحاربة الأمية والقطاعات الوزارية المعنية، إلى جانب ميزانيات الشراكات مع المنظمات الوطنية والدولية، وكذلك ميزانيات المجالس المنتخبة ومجالس المدن والجماعات.
برامج تستجيب لاحتياجات الفئات المستهدفة
وعن المشاركة، أشار إلى وجود برامج لمكافحة الأمية تستجيب لمبدأ ملاءمة العرض للطلب، إلى جانب برامج لمحو الأمية وما بعد محو الأمية تستهدف الفئات الهشة من الشباب والنساء، فضلًا عن برامج متنوعة لمكافحة الأمية وفق الفئات، ومنها المهاجرون والسجناء والمهنيون.
من القراءة والكتابة إلى التمكين الاقتصادي
وأوضح أن مناهج وبرامج محو الأمية في المملكة المغربية تستهدف الكفايات الأداتية المرتبطة بالقراءة والكتابة والتعبير والحساب، إلى جانب الكفايات الوسيومهنية المرتبطة بالتمكين الاقتصادي والمشروعات المدرة للدخل، فضلًا عن الكفايات العرضانية التي تشمل مهارات الحياة والتواصل والفكر النقدي والإبداعي والتعاوني.
تحديات تتعلق بالتكوين والرقمنة
وفيما يتعلق بالصعوبات والإكراهات، أوضح فتاح أن المستوى الأندراغوجي والتربوي لمكوّني تعليم الكبار ومحو الأمية لا يزال غير كافٍ، إلى جانب عزوف الرجال والشباب عن دروس محو الأمية، فضلًا عن عدم كفاية استثمار التقنيات الرقمية بالنظر إلى الخصوصيات الثقافية للفئات المستهدفة.
السودان.. التعلم لا يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عندها
ومن جانبه، أكد الدكتور ناجي الشافعي، رئيس الشبكة العربية لمحو الأمية وتعليم الكبار – السودان، أن الحديث عن التعلم مدى الحياة لا يقتصر على محو الأمية أو اكتساب مهارات القراءة والكتابة، وإنما يرتبط بمفهوم أوسع يتعلق بالإنسان وقدرته المستمرة على التعلم والتطور واكتساب المعرفة والمهارات في مختلف مراحل حياته.
وأوضح أن التعليم لا يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عندها، وإنما يستمر من خلال الأسرة والمجتمع والعمل والتجارب اليومية، ومن خلال فرص التعليم والتدريب والتعليم غير النظامي.
التعليم أداة لبناء الإنسان ومواجهة المتغيرات
وأشار الشافعي إلى أن هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة، باعتبار التعليم أداة أساسية لبناء الإنسان وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات والتكيف مع المتغيرات.
وأكد أن توفير فرص التعلم للكبار والشباب والنساء والفتيات، بمن فيهم من حُرموا من التعليم أو اضطروا إلى الانقطاع عنه، يمكن أن يفتح أمامهم فرصًا جديدة للمشاركة والتمكين وتحسين سبل كسب العيش.
التعلم مدى الحياة.. رحلة مستمرة
وأوضح أن التعلم مدى الحياة يشمل جميع مراحل العمر، ويمتد داخل المؤسسات وخارجها، ويشمل المعرفة والمهارات والقيم والخبرة والممارسة وتطوير القدرات بصورة مستمرة، بما يستجيب لاحتياجات الإنسان والمجتمع.
وأكد أن المدرسة والجامعة تمثلان جزءاً مهماً من رحلة التعلم، لكنهما ليستا نهاية هذه الرحلة، فالإنسان يتعلم من أسرته ومجتمعه وعمله وتجارب حياته اليومية، ومن التدريب والممارسة، وهو ما يوسع مفهوم التعليم ويجعل كل مرحلة من مراحل الحياة فرصة جديدة لاكتساب المعرفة والمهارات.
التعلم استثمار في الإنسان
وعن أهمية التعلم مدى الحياة، أوضح الشافعي أن التعلم يمثل استثماراً في الإنسان، مشيراً إلى أن هذه القضية تكتسب أهمية خاصة في السودان في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي مر بها المجتمع، والتي أدت إلى فقدان عدد من الأطفال والشباب والكبار فرص التعليم أو اضطرارهم إلى الانقطاع عنه.
وأضاف أن توفير فرص تعلم مرنة يساعد على استعادة فرص التعليم المفقودة، ومواجهة آثار الأزمات والفقر، وتمكين النساء والشباب، وتطوير المهارات المهنية ودعم سبل كسب العيش، وتعزيز الوعي الصحي والاجتماعي، وتقوية قدرة المجتمعات على الصمود.
من محو الأمية إلى بناء الإنسان
وفي حديثه عن الانتقال «من محو الأمية إلى بناء الإنسان»، أكد الشافعي أهمية ألا يُنظر إلى محو الأمية باعتباره نقطة النهاية، وإنما باعتباره نقطة انطلاق لمسار أوسع من التعلم وبناء القدرات.
وأوضح أن القراءة والكتابة والحساب تمثل أساساً يمكّن الإنسان من الوصول إلى المعرفة والاستفادة من فرص التعليم والتدريب، مشيرًا إلى أن المتعلم، بعد اكتساب المهارات الأساسية، يستطيع تطوير مهاراته الحياتية والمهنية، وتحسين فرصه في العمل وكسب العيش، وتعزيز قدرته على المشاركة في أسرته ومجتمعه.
ربط تعليم الكبار باحتياجات الحياة
وأشار إلى إمكانية ارتباط تعليم الكبار بالصحة والمهارات المهنية وسبل كسب العيش والوعي المجتمعي، بما يجعله أكثر ارتباطًا باحتياجات الإنسان اليومية.
وأكد أن الانتقال من محو الأمية إلى بناء الإنسان يمثل تحولًاً مهمًا، بحيث يصبح محو الأمية بداية لمسار مستمر من التعلم والتمكين والمشاركة.
مجالات متعددة للتعلم المرتبط بالحياة
وأوضح الشافعي أن مجالات التعليم تمتد من التعليم الأساسي إلى التعلم المرتبط بالحياة، وتشمل محو الأمية الأبجدية، والأمية الوظيفية، والحساب والمهارات الأساسية، والمهارات الحياتية، والتثقيف الصحي، والتدريب المهني، وسبل كسب العيش، والتعلم المجتمعي.
السودان.. تجارب تربط التعليم باحتياجات الإنسان
وأكد أن التعليم يصبح أكثر قيمة عندما يرتبط بحياة المتعلم، مشيرًا إلى أن السودان شهد تجارب مختلفة في مجال تعليم الكبار ومحو الأمية، لم تقتصر على تعليم القراءة والكتابة والحساب، وإنما سعت في كثير من الحالات إلى ربط التعليم باحتياجات الإنسان اليومية وظروفه الاجتماعية والاقتصادية.
وأوضح أن بعض البرامج ارتبطت بالتثقيف الصحي والتغذية وصحة الأم والطفل والمهارات الحياتية، إلى جانب المهارات المهنية وسبل كسب العيش، وهو ما يجعل التعلم أكثر فائدة وواقعية، ويساعد المتعلم على توظيف ما يتعلمه في حياته اليومية.
تعليم الكبار.. الانطلاق من واقع الإنسان
وشدد على أن المتعلم الكبير يحتاج إلى أن يرى العلاقة المباشرة بين التعلم واحتياجاته وطموحاته، سواء في تحسين حياته أو دعم أسرته أو تطوير عمله أو المشاركة بصورة أكبر في مجتمعه.
وأكد أن تعليم الكبار الناجح هو التعليم الذي ينطلق من واقع الإنسان واحتياجاته، ويمنحه المعرفة والمهارات التي تساعده على تحسين حياته والاستثمار في التعلم.
رسالة السودان: الاستثمار في التعلم استثمار في المستقبل
واختتم الدكتور ناجي الشافعي حديثه بالتأكيد على أن تجربة السودان في تعليم الكبار لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية التحديات، مشيراً إلى وجود تجارب ومبادرات يمكن البناء عليها والتعلم منها.
وأوضح أن الرسالة الأساسية تتمثل في أن الإنسان قادر على التعلم والتطور في كل مرحلة من مراحل حياته، مؤكدًا أن الاستثمار في التعلم مدى الحياة هو استثمار في الإنسان والأسرة والمجتمع ومستقبل السودان.
واختتم بالتأكيد على أن بناء الإنسان يمثل أساس بناء الوطن، وأن إتاحة فرص التعلم أمام الإنسان في مختلف مراحل حياته تمثل واحدة من أهم أدوات هذا البناء.









