إعداد العروض العلمية وإدارة الجلسات.. مهارات أساسية للتميز الأكاديمي
إعداد العروض العلمية وإدارة الجلسات.. مهارات أساسية للتميز الأكاديمي
عبير سلامة
ورشة علمية بالأكاديمية الدولية للتدريب تستعرض منهجية إعداد العروض التقديمية وإدارة الجلسات بكفاءة
في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العمل الأكاديمي، لم يعد امتلاك المعرفة العلمية وإعداد البحوث الجيدة كافيًا لضمان وصول نتائجها إلى الجمهور المستهدف، بل أصبحت القدرة على عرض الأفكار بوضوح، وتنظيم المعلومات، وإدارة الحوار العلمي، واحترام الوقت، من المهارات الأساسية التي تعزز قيمة البحث وتدعم فرص الاستفادة من نتائجه.
وفي هذا السياق، تناولت ورشة «منهجية إعداد العروض التقديمية العلمية وإدارة الجلسات»، التي قدمها الأستاذ المساعد الدكتور محمد صالح مهدي الذكوري، من كلية الإمام الأعظم، قسم أصول الدين، مجموعة من المهارات العملية اللازمة لإعداد العروض العلمية وتقديمها بكفاءة، إلى جانب الأصول المهنية لإدارة الجلسات والمؤتمرات الأكاديمية.
وجاءت الورشة ضمن النشاطات العلمية للمؤتمر الدولي الرابع «إدارة التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي»، بالتعاون مع الأكاديمية الدولية للتدريب والتطوير Mas EU Academy، يوم السبت 31 أكتوبر 2026.
قدمت وأدارت اللقاء الإعلامية عبير سلامة، مدير تنفيذي مجلة نهر الأمل ورئيسة الهيئة الاستشارية الإعلامية للمؤتمر.
العرض العلمي الناجح يبدأ بتحديد الهدف
أكدت محاور الورشة أهمية الانتقال من مجرد نقل محتوى البحث إلى بناء عرض علمي منظم يضع احتياجات الجمهور في مقدمة أولوياته، من خلال تحديد الهدف الأساسي، والتعرف إلى الخلفية العلمية للمشاركين، واختيار المعلومات الأكثر ارتباطًا بموضوع البحث، وترتيبها في تسلسل منطقي يساعد على الفهم.
وتقوم المنهجية المقترحة على أن يحدد الباحث أولًا الفكرة التي يريد أن تبقى في ذهن المستمع بعد انتهاء العرض، ثم يختار المادة العلمية التي تخدم هذا الهدف، بدلًا من محاولة عرض جميع تفاصيل البحث في وقت محدود.
كما تتطلب عملية الإعداد مراعاة طبيعة الجمهور ومستوى معرفته بالمصطلحات المستخدمة، مع توضيح المفاهيم المتخصصة عند الحاجة، واختيار أمثلة تطبيقية تقرب الأفكار النظرية إلى الأذهان.
وشددت الورشة على ضرورة تنظيم العرض وفق تسلسل يجيب عن الأسئلة الأساسية: ما موضوع البحث؟ ولماذا ندرسه؟ وكيف أُنجز؟ وما أبرز النتائج التي توصل إليها؟ وما الفائدة التي يمكن استخلاصها منه؟
ويكتمل هذا الإعداد باختيار الشواهد والأدلة التي تدعم الأفكار المطروحة، مع الالتزام بتوثيق المصادر، وتوزيع الوقت على أجزاء العرض بما يضمن الوصول إلى النتائج والخاتمة دون تجاوز الزمن المحدد.
تصميم الشرائح.. وضوح الفكرة أهم من جمال الألوان
وفي محور تصميم العروض التقديمية، ركزت الورشة على أن الشريحة وسيلة لمساعدة الجمهور على الفهم، وليست بديلًا عن الشرح الشفهي أو مساحة لنسخ صفحات البحث كاملة.
وأوضح المحتوى العلمي أن جودة التصميم ترتبط بوضوح الفكرة وسهولة القراءة ودقة المعلومات، مع تخصيص غرض محدد لكل شريحة، واختيار عناوين تعبر عن مضمونها، واستخدام النصوص المختصرة التي تتيح للمحاضر مساحة كافية للشرح والتوضيح.
كما تناولت الورشة أبرز الأخطاء الشائعة في تصميم العروض، وفي مقدمتها ازدحام الشرائح بالنصوص، وتصغير الخط لاستيعاب أكبر قدر من المعلومات، والإفراط في الألوان والمؤثرات الحركية، وعرض الجداول الكبيرة التي يصعب قراءة تفاصيلها.
وتضمنت المعالجة العملية لهذه الأخطاء الدعوة إلى تقسيم المعلومات إلى أفكار مستقلة، وإبراز العناصر الضرورية للمقارنة، واستخدام الصور والأشكال التي تخدم المعنى، مع إظهار مصادر الاقتباسات والبيانات، حتى يتمكن الحضور من فهم دلالتها والتحقق من سياقها.
وتؤكد هذه الرؤية أن العرض الاحترافي لا يُقاس بكثرة الشرائح أو زخرفة التصميم، وإنما بقدرته على توصيل الفكرة العلمية بدقة ووضوح.
مهارات الإلقاء والتواصل.. من الاستعداد إلى التفاعل
وانتقلت الورشة إلى مهارات الإلقاء والتواصل مع الجمهور، باعتبارها حلقة أساسية في تحويل المادة العلمية إلى رسالة مفهومة ومؤثرة.
وتناول هذا المحور أهمية إعداد افتتاحية واضحة تحدد موضوع العرض والفائدة المنتظرة منه، والاستعانة بمخطط مختصر لترتيب الأفكار بدلًا من الاعتماد الكامل على الحفظ الحرفي، إلى جانب مراعاة سرعة الحديث ووضوح الصوت وتوظيف الوقفات المناسبة عند عرض المصطلحات أو النتائج المهمة.
كما ركزت الورشة على أهمية التواصل البصري مع الحضور، وشرح ما تتضمنه الشرائح بدلًا من قراءتها حرفيًا، وملاحظة استجابات المشاركين لتحديد مدى وضوح الأفكار المعروضة.
وفيما يتعلق بالتوتر الذي قد يصاحب البدايات، طرحت الورشة مجموعة من الممارسات العملية، من بينها التدريب المتكرر على الافتتاحية، والاستعداد المسبق للأدوات والملفات، والتركيز على الفكرة المراد إيصالها بدلًا من الانشغال المفرط بتقييم الآخرين للأداء.
ولتعزيز التفاعل، أوصت باستخدام الأسئلة القصيرة والمقارنات والتطبيقات المباشرة المرتبطة بموضوع العرض، بما يتيح للمشاركين اختبار فهمهم وتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة عملية.
إدارة الجلسات العلمية.. تنظيم الوقت وضمان عدالة المشاركة
واحتلت إدارة الجلسات العلمية جانبًا مهمًا من الورشة، التي تناولت مسؤوليات رئيس الجلسة قبل انعقادها وأثناء إدارتها، بدءًا من مراجعة البرنامج العلمي وعناوين الأوراق البحثية، والتحقق من أسماء المتحدثين وصفاتهم العلمية، والاستعداد للجوانب التقنية، وصولًا إلى تنظيم المداخلات والمناقشات وختام الجلسة.
وأكدت المحاور أهمية الإعلان المسبق عن زمن الإلقاء والأسئلة، وتوضيح آلية طلب الكلمة، واستخدام وسيلة لمتابعة الوقت، بما يضمن الالتزام بالبرنامج وإتاحة الفرصة للمتحدثين والحضور على نحو عادل.
كما تناولت الورشة ضرورة تقديم الباحثين بإيجاز ودقة، مع ذكر الاسم والصفة العلمية المناسبة وعنوان الورقة، بعيدًا عن المقدمات المطولة التي قد تستهلك الوقت المخصص للمناقشة العلمية.
وفي إدارة الحوار، شددت المادة العلمية على أهمية التعامل مع المداخلات المطولة بعبارات مهنية تحفظ احترام أصحابها، وتساعدهم على الانتقال إلى السؤال الأساسي، إلى جانب التدخل عند خروج النقاش عن موضوع البحث أو تحوله إلى جدل شخصي.
وتضمنت الإرشادات كذلك ضرورة إعداد أسئلة احتياطية مستمدة من الأوراق العلمية، لاستخدامها عند غياب أسئلة الجمهور، مع إعطاء الأولوية لمداخلات الحاضرين، وإنهاء الجلسة بخلاصة دقيقة تميز بين النتائج التي عرضها الباحثون والمقترحات التي طُرحت للنقاش.
الأسئلة الصعبة والمواقف المفاجئة.. المهنية تبدأ بالاستجابة الواعية
وفي محور التحديات العملية، تناولت الورشة كيفية تعامل الباحث مع الأسئلة غير المتوقعة والاعتراضات المنهجية والمواقف التي قد تربك العرض، مؤكدة أن الإجابة المهنية لا تعني بالضرورة تقديم رد فوري عن كل سؤال، وإنما تبدأ بفهم المقصود وتحديد حدود المعرفة المتاحة.
وتضمنت الإرشادات أهمية طلب توضيح السؤال عند غموضه، وشرح أسباب اختيار المنهج البحثي ومدى ملاءمته لأهداف الدراسة، والتمييز بين ما أثبته البحث وما يحتاج إلى مزيد من التحقق أو الدراسة.
كما أكدت ضرورة الاعتراف بحدود البحث عند تناول موضوعات تتجاوز نطاقه، ومراجعة المعلومات وتصحيح الأخطاء عند اكتشافها، بدلًا من تقديم إجابات غير موثقة أو الدفاع عن معلومات تحتاج إلى مراجعة.
وامتدت المعالجة إلى المواقف المفاجئة أثناء العرض، مثل تعطل الشرائح أو نسيان تسلسل الأفكار أو طلب اختصار الوقت، مع التأكيد على أهمية الاحتفاظ بمخطط واضح، والعودة إلى آخر نقطة مفهومة، والتركيز على النتائج الأساسية، والاستعانة بالدعم التقني عند الحاجة.
أما في المناقشات الحادة، فتتمثل المسؤولية المهنية في الفصل بين نقد الفكرة والتعرض لصاحبها، وإعادة الحوار إلى موضوع البحث، بما يحفظ الاحترام المتبادل ويضمن استمرار المناقشة في إطارها العلمي.
معايير التميز الأكاديمي.. الدقة والوضوح واحترام الوقت
واختتمت المحاور العلمية بالتأكيد على أن نجاح العرض التقديمي لا يرتبط بالمظهر الجيد وحده، وإنما بقدرة الجمهور على فهم الفكرة الأساسية واستيعاب فائدتها، ودقة المعلومات وتوثيقها، والالتزام بالوقت، والاستعداد للمناقشة.
كما يرتبط نجاح رئيس الجلسة بالجمع بين الاحترام ووضوح القرار، والقدرة على تنظيم المداخلات وتوزيع فرص المشاركة، ومتابعة مضمون الأوراق العلمية، وتلخيص ما دار من نقاش دون نسبة آراء أو توصيات إلى المشاركين لم يتبنّوها بالفعل.
وقدمت الورشة نموذجًا تطبيقيًا يجمع بين تحديد هدف العرض، وتحويل الفكرة إلى شريحة واضحة، وتجربة الإلقاء والإجابة عن الأسئلة، ثم تحديد جانب واحد يحتاج إلى التحسين وإعادة التدريب عليه.
وتبرز هذه الخطوات أهمية الممارسة والتقييم المستمر في تطوير مهارات العرض والإلقاء، بحيث يصبح التدريب جزءًا من إعداد الباحث، وليس إجراءً ثانويًا يسبق تقديم الورقة العلمية مباشرة.
الذكاء الاصطناعي.. أدوات مساعدة ومسؤولية علمية مستمرة
وفي ضوء انعقاد الورشة ضمن النشاطات العلمية للمؤتمر الرابع «إدارة التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي»، تكتسب مهارات إعداد العروض وإدارة الجلسات أهمية إضافية مع اتساع الأدوات الرقمية المتاحة لتنظيم المحتوى وتصميم الشرائح وإعداد المواد التقديمية.
وتظل الاستفادة من هذه الأدوات مرتبطة بوعي المستخدم وقدرته على التحقق من المعلومات، والمحافظة على دقة المصادر وأمانة النقل، وعدم إغفال شخصية الباحث وقدرته على الشرح والتحليل والمناقشة.
فالتكنولوجيا، مهما تطورت إمكاناتها، تظل وسيلة لدعم العمل العلمي، بينما تبقى مسؤولية التحقق من المعلومات وجودة المحتوى وسلامة الاستنتاجات على عاتق الباحث.
وتخلص محاور الورشة إلى أن التميز في المؤتمرات العلمية يقوم على تكامل ثلاثة عناصر رئيسية: محتوى علمي دقيق، وعرض واضح ومنظم، وإدارة واعية للوقت والحوار؛ وهي عناصر تسهم في تعزيز التواصل بين الباحثين، وتحويل النتائج العلمية إلى معرفة أكثر قابلية للفهم والمناقشة والاستفادة العملية.
وتأتي هذه الورشة ضمن النشاطات العلمية التحضيرية للمؤتمر الدولي الرابع «إدارة التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي»، المقرر عقده في القاهرة في نهاية نوفمبر المقبل، برئاسة الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوزان، ونائب رئيس المؤتمر الدكتورة منى خيري، والأستاذ الدكتور مدحت فرحات أمينًا عامًا للمؤتمر. ويستهدف المؤتمر من خلال نشاطاته العلمية دعم الوعي، وتنمية القدرات، وتعزيز تبادل الخبرات والمعارف في القضايا المرتبطة بإدارة التغيير في ظل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي.









