الأخبار

استدراج النعم

استدراج النعم

بقلم: د وسام مجدى جاد
عضو هيئة التدريس بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة
في غمرة الانشغال الدنيوي، وفي لحظات الزهو التي يظن فيها المرء أنه ملك ناصية الأقدار، تطل علينا سنة الله الكونية؛ ألا وهي استدراج العبد بتواتر النعم الدنيوية رغم إقامته على الذنوب. فيظن العبد أن ذلك علامة على رضا الله عليه، فكلما أحدث ذنباً جدد الله له نعمة، وأنساه الشكر، حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله بغتة.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206)مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾ (الشعراء: الآيات 205-207).
فالاستدراج: أن يُمهل الله المكذبين بآياته ويزيدهم من النعم والمتاع في الدنيا مع استمرارهم على معاصيهم، ثم يأخذهم بالعقوبة والهلاك بغتة من حيث لا يشعرون، فلا يعلمون بالاستدراج ولا بالهلكة وهو المكر بهم.
يقول سفيان الثوري -رضي الله عنه: “أسبغ عليهم النعم، ومنعهم الشكر”؛ مما يجعلها من أشد أنواع العقوبات؛ لأنه يظن أنه في نعمة بينما هو في هلاك.
ومن بعض الأمثلة القرآنية التي تحدثنا عن استدراج النعم:
أولًا: ما جاء في متن قصة قارون حيث استُدرِج بكنوزه، وفُتحت له أبواب الثروة حتى (ناءت العصبة أولو القوة) بمفاتيح خزائنه، فرأى العطاء دليل استحقاق فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: 78)، فكانت العاقبة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (القصص: 81).
ثانيًا عاد الأولى: (فتنة القوة البدنية): بني قوم عاد “إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد”، أنعم الله عليهم بالبسطة في الخلق والتمكين في الأرض، فما كان منهم إلا الاستكبار: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (فصلت: 15)، واستمروا في غيهم فأرسل الله عليهم ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)﴾ (الذاريات: 41-42). ليكونوا آية لمن خلفهم.
ثالثًا: أصحاب الجنة (فتنة البخل): بينما هم يخططون لمعصية الله بمنع حقوق الفقراء: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)﴾ (القلم: 19-20).
لكن ما الفرق بين العطاء والاستدراج؟ حالة العبد: العطاء: يرافقه استقامة، طاعة، توبة.
بينما الاستدراج: يرافقه غفلة، استمرار في المعاصي، إعراض عن ذكر الله، نسيان للتوبة.
علامات العطاء: يشعر العبد ببركة في الرزق، يزداد قرباً من الله، ويستخدم النعم في طاعة الله.
بينما الاستدراج: استمرار النعم مع زيادة المعاصي، والشعور بالأمان من مكر الله، وزيادة النعم مع الطغيان.
العاقبة: العطاء: يؤدي إلى السعادة والرضا في الدنيا والآخرة.
والاستدراج: يؤدي إلى العقوبة والمباغتة بالعذاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (سورة الأنعام: 44).
الهدف: العطاء إكرام للعبد، بينما الاستدراج هو إملاء وإمهال ليزداد العبد إثماً.
ويمكن حماية النفس من الاستدراج من خلال:
المبادرة بالتوبة النصوح والإقلاع عن الذنب والندم عليه.
شكر الله الدائم على النعم بالقلب واللسان والجوارح.
الحذر من الغفلة ومجاهدة النفس على الطاعة.
تذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾) الرعد: 11(.
#مجلة_نهر_الأمل
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى