بين الرباط والقاهرة… كرة القدم تُدار بالمؤسسات لا بالأسماء.
بين الرباط والقاهرة… كرة القدم تُدار بالمؤسسات لا بالأسماء.
بقلم: د. أحمد شلغم

لم تعد كرة القدم الحديثة ساحة للمنافسة داخل الملعب فقط، بل أصبحت مشروع دولة، وأداة نفوذ، واختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات الرياضية على الاستدامة والتخطيط الرشيد. ومن هذا المنطلق، تفرض المقارنة نفسها بين تجربتين محوريتين في القارة الأفريقية: تجربة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وتجربة الاتحاد المصري لكرة القدم.
خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة التي استضافها المغرب، انقسم الرأي العام الرياضي بين من أشاد بجودة التنظيم والبنية التحتية والاستعداد اللوجستي، وبين من انتقد تجاوزات تنظيمية وتحكيمية صاحبت بعض المباريات وأثرت على مسار المنافسة.
لكن بعيدًا عن الانفعال، كشفت البطولة عن فارق عميق في المنهج المؤسسي بين التجربتين المغربية والمصرية.
في المغرب، تُدار كرة القدم بمنطق المشروع طويل الأمد. فالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، برئاسة فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم بالمغرب وعضو المكتب التنفيذي للاتحادين الدولي والأفريقي، نجحت في بناء منظومة تعتمد على الاستثمار في البنية التحتية، وتكوين القاعدة، وربط النتائج الرياضية بالحوكمة والاستدامة.
ورغم ما أُثير من جدل حول بعض تفاصيل بطولة أمم إفريقيا، فإن الإطار العام يعكس اتحادًا يمتلك رؤية واضحة، ويعمل وفق خطة لا تتغير بتغير النتائج.
في المقابل، يواجه الاتحاد المصري لكرة القدم تحديات مزمنة تتكرر مع كل استحقاق قاري أو دولي، فبرئاسة هاني أبو ريدة، رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم، وعضو المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي لكرة القدم، لا تزال المنظومة تعاني غياب الاستقرار الإداري، وتضارب الصلاحيات، وتكرار الأزمات التحكيمية والتنظيمية، وهو ما ينعكس سلبًا على الأداء الفني والحضور القاري.
المفارقة أن مصر تمتلك تاريخًا كرويًا عريقًا، وقاعدة جماهيرية هائلة، وإمكانات بشرية كبيرة، لكنها تعاني فجوة واضحة بين قوة الاسم وثقل التأثير داخل المنظومة الأفريقية، في وقت استطاع فيه المغرب تحويل كرة القدم إلى قوة ناعمة مستدامة تخدم أهدافًا رياضية وتنموية وسياسية في آن واحد.
وفي قلب هذا الجدل، يبرز ملف التحكيم كأحد أبرز أوجه القصور في بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة. فقد شهدت بعض المباريات قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وتفاوتًا في المعايير، وأخطاء مؤثرة على النتائج، ما أعاد فتح النقاش حول آليات اختيار الحكام، ونظم تقييمهم، ومدى استقلال القرار التحكيمي داخل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، حتى في ظل استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد.
وهنا تحديدًا، يصبح الحديث عن الإصلاح المؤسسي الرياضي في مصر أمرًا لا يحتمل التأجيل.
إصلاح يقوم على الحوكمة والشفافية، وتأهيل الكوادر الإدارية والتحكيمية، وبناء استراتيجية طويلة الأمد تضمن الاستدامة، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات عند وقوعها.
إن التجربة المغربية، رغم ما شابها من تجاوزات تحكيمية لا يمكن إنكارها، تؤكد أن قوة الاتحاد لا تعني غياب الأخطاء، بل تعني القدرة على احتوائها وتصحيحها داخل إطار مؤسسي منضبط.
أما استمرار إدارة كرة القدم المصرية بمنطق ردّ الفعل، فيظل عائقًا حقيقيًا أمام استعادة المكانة الطبيعية على المستويين القاري والدولي.
نتفق أو نختلف حول تفاصيل ما جرى في أمم إفريقيا، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن كرة القدم الحديثة تُدار بالمؤسسات، لا بالتاريخ وحده، ولا بالأسماء مهما بلغت مكانتها.
وما بين الرباط والقاهرة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نريد كرة قدم تعيش على أمجاد الماضي… أم منظومة قادرة على صناعة مستقبل مستدام؟









