مقالات

الاقتصاد الدائرى وحماية البيئة

مقال بقلم دكتور محمود فتح الله اقتصادى مصرى بجامعة الدول العربية

الاقتصاد الدائرى وحماية البيئة

مقال بقلم دكتور محمود فتح الله

مدير إدارة البيئة والأرصاد الجوية بجامعة الدول العربية

 

أدى التطور الصناعى المتزايد على مستوى العالم الى الضغط بشكل كبير على الموارد الطبيعية للدول النامية والمتقدمة على حد سواء وتسبب فى استنزاف تلك الموارد بشكل كبير ومع تفاقم نتائج تبنى هذا النمط الاقتصادى فى الانتاج والاستهلاك الذى يطلق عليه نمط الاقتصاد الخطى الذى يعتمد على نمو حجم الانتاج – فالاستهلاك  – ومن ثم النفايات على البيئة والتنمية من حيث الحاق الضرر بالبيئة وتزايد حدة التغيرات المناخية التى تواجهها دول العالم ككل .

 

ظهرت الحاجة الى تغيير النمط الاقتصادى السائد الى نمط جديد يقدم رؤى واتجاهات بديلة لهذا النمط الخطى ، ويفتح الباب أمام فرص جديدة لاعادةة استخدام موارد طبيعية شحيحة بطبيعتها. ويقدم “الاقتصاد الدائرى” مفهوماً جديداً لاددارة الموارد الطبيعية بشكل مغاير لنمط الاقتصاد الخطى حيث يدعم الحفاظ على البيئة من التدهور ، وسوف نتناول فى هذا المقال التحليلى نبذة عن مفهوم الاقتصاد الدائرى وعلاقته بحماية البيئة .

 

أولاً- الاقتصاد الدائرى

الاقتصاد الدائرى هو نظام اقتصادى يهدف الى القضاء على الهدر والاستخدام المستمر للموارد من خلال اعادة الاستخدام ، والمشاركة ،والاصلاح والتجديد، وإعادة التصنيع، وإعادة التدوير بما يشكل حلقة مغلقة ، ويقلل هذا النظام من استخدام مدخلات الموارد الى الحد الأدنى ويخفض حجم النفايات والتلوث وإنبعاث الكربون .

 

ويهدف “الاقتصاد الدائرى” الى الحفاظ على إستخدام المنتجات والمعدات والبنية التحتية لفترة أطول ، وبالتالى تحسين إنتاجية هذه الموارد ، وقد جرى تحديد إمكانيات واستراتيجيات نموذج “الاقتصاد الدائرى” فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى ثم تطور المفهوم بشكل كبير مع التطبيق من خلال المراجعات المستمرة لمكوناته فعلى سبيل المثال فان منهجية الاقتصاد الدائرى كانت تقوم فقط على ادارة النفايات بما فيها الجمع والفصل والتدوير وإعادة الاستخدام ،الا انها تطورت حاليا لتتبنى أيضاً التصميم الأمثل للمنتجات وتقليل الاستهلاك والادارة المستدامة للموارد ،ويختلف هذا المفهوم عن مقابله التقليدى الذى يعرق بالاقتصاد الخطى الذى يتبنى اسلوب” الاستخراج ،التصنيع، الاستخدام، النفايات” .

 

ويتضح من ذلك أن الانتقال من من الاقتصاد الخطى الى الاقتصاد الدائرى يحقق إستخدام الموارد بأفضل طريقة متاحة لأطول وقت ممكن، فكلما جرى تناقل الموارد عبر عمليات المعالجة المختلفة ، أو من خلال اعادة الاستخدام ،أو الاصلاح أو اعادة التصميم أو اعادة التصنيع ،قلت الحاجة الى مواد خام جديدة وتناقصت كمية النفايات ويمكن بذلك استخدام تدفق المواد النقية عدة مرات لتوفير سلعة أو خدمة معينة فى حين يتم الاستثمار مرة واحدة ويعد هذا النمط تحسين للإقتصاد الخطى من خلال الاهتمام بالبعد البيئى والكفاءة وهو ما يعنى زيادة الربح الاقتصادى لأقصى حد بأقل أثر بيئى ممكن.

 

وإعتمدت العديد من الاقتصادات حول العالم عبر التاريخ وحتى الآن على الاقتصاد الخطى الذى يقوم على زيادة الانتاج بوصفه أساس النمو الاقتصادى ، مما أدى الى زيادة أساليب الانتاج الصناعية شديدة  التلوث وعلى مصادر الطاقة الأحفورية غير المتجددة التى تحتوى على انبعاث للغازات الخطيرة التى تؤثر بشكل ضار على البيئة بكل مكوناتها، بالاضافة الى التطور التكنولوجى المتسارع ، والذى صاحبه مخلفات الكترونية ونووية ضارة بالانسان والكائنات الحية كافة وتؤثر على التنوع البيولوجى والمناخ والبيئة بشكل عام ، ومع التدهورات التى نتجت عن هذا النمط مع مطلع الألفية الجديدة ظهرت الحاجة الى نمط اقتصادى جديد يقوم على الحفاظ على الثروات الطبيعية لتعزيز التنمية المستدامة المتوازنة والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة وعدم الاخلال بالنظام البيئى.

 

ثانياً- العلاقة بين الاقتصاد الدائرى وحماية البيئة

 

تواترت الدراسات والأبحاث التى تهدف الى ايجاد حلول للاستخدام غير المستدام للموارد الطبيعية التى تسببت فى تدهور جودة البيئة من خلال فرض ضغوطاً شديدة على أنظمة دعم الحياه على كوكب الأرض ، حيث يعانى كوكب الأرض من فقدان التنوع البيولوجى ، وإهدار موارد المياه العذبة ، وتصحر التربة وإختلال ترابط المحاصيل الزراعية بفصول السنة ، هذا بجانب زيادة تلوث الهواء والعديد من التغيرات المناخية الحادة التى تهدد الحياه بشكل كبير سواء على الدول النامية أو المتقدمة .

 

ومن بين تعريفات الاقتصاد الدائرى ذلك التعريف الذى قدمته مؤسسة “إيللين ماك آرثر ” عام 2019 الذى تضمن النمط الاقتصادى الذى يهدف الى اعادة تعريف النمو وبناء رأس المال الاقتصادى تدريجياً عن استخدام الموارد الناضبة ويشجع على انشاء حلقات مغلقة لانتاج واستهلاك الماء والمغذيات والطاقة بشكل يحاكى الدورات الطبيعية.

ويتضمن هذا التعريف ثلاثة مبادىء أساسية للاقتصاد الدائرى وهى:-

– تصميم طرق التخلص من النفايات والتلوث.

-الحفاظ على المنتجات والمواد بشكل قابل للإستخدام أطول فترة ممكنة.

-تجديد النظم الطبيعية.

 

وقد وجدت تلك الدراسات أن “الاقتصاد الدائرى” لديه القدرة على تعزيز جهود الحفاظ على البيئة التى تمثل رأسالمال الطبيعى والاجتماعى والبشرى، ووتتحقق التنمية من خلال التوازن بين جميع هذه الركائز الثلاثة.

 

وترى مجموعة من الدراسات أن تطبيق مبادىء “الاقتصاد الدائرى” له القدرة على المساهمة بشكل ايجابى على تخفيف التغيرات المناخية من خلال تطبيقه فى مجال الطاقة ، وإمتصاص الكربون وإعادة استخدامه بشكل يسهم فى خفض معدلات الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل الى 40% بحلول عام 2050 ، كما أن المعايير ذاتها يمكنها أن تساعد فى الحيلولة دون حدوث التلوث البحرى والحد منه ، ومنع توليد النفايات والتسرب من الأنشطة البرية الى المحيطات وتهديد الحياه البحرية، ومن جانب آخر تعد عملية حماية النظم الايكولوجية البرية وترميمها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام وادارة الغابات على نحو مستدام ،ومكافحة التصحر، ووقف تدهورالأراضى ووقف فقدان التنوع البيولوجى من بين الأهداف التى يسعى العالمم الى تحقيقها.

ولاشك فى أن تطبيق فلسفة “الاقتصاد الدائرى” تقوم على استعادة رأس المال الطبيعى من خلال تبنى ممارسات زراعية مستدامة ومتجددة تسعى الى الإحتفاظ بالتنوع البيولوجى وتساعد على حماية السلاسل الغذائية وإعادة المواد البيولوجية الى التربة كمغذيات.

 

وينطوى تسريع الانتقال الى الاقتصاد الدائرى على إجراء تحول واسع فى قطاع الأعمال وفى سلوك المستهلك وهذا يعنى اعتماد عمليات انتاج وأنماط استهلاك مستدامة ، ولتحقيق ذلك يجب وضع قوانين وسياسات جديدة تقوم على تنقيح واعادة تصميم نماذج العمل أو وضع نماذج جديدة تناسب الصناعات ، وتضع فى الحسبان الكلفة البيئية والاجتماعية طويلة الامد لعمليات الانتاج والتخلص من السلع فى نهاية دورة حياتها ، الى جانب ابتكار تقنيات جديدة ، وإحداث تغيرات جوهرية فى عملية الاستهلاك.

#مجلة_نهر_الأمل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى